منبر الرأي: منشور النيابة العامة في المساطر المرجعية بقضايا المخدرات بين الدال والإستدلال

منبر الرأي: منشور النيابة العامة في المساطر المرجعية بقضايا المخدرات بين الدال والإستدلال

ذ. شـــــــــــريف الغيام قاض لدى المحكمة الابتدائية بالحسيمة أستاذ باحث

إحتل موضوع المساطر المرجعية أهمية بالغة في الآونة الاخيرة ، بالتزامن مع التنزيل الفعلي لمضامين إصلاح منظومة العدالة، وما تشهده الساحة الحقوقية و القضائية من تفاعلات همت بالأساس إعطاء نوع من الأولوية لكبريات الأوراش الإصلاحية بالبلاد التي تجعل من حقوق الأفراد و الجماعات اللبنة الأساسية التي يدور حولها كل مظاهر الحماية بما ينسجم مع المستجدات الدستورية وما يرافقها من تمخضات تشريعية. ذلك أن الحق في المحاكمة العادلة لم يعد مطلبا حقوقيا بقدر ما أضحى حقا دستوريا إلى جانب قرينة البراءة المكفولين بموجب القوانين المسطرية أو الإجرائية المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية و التي تعطي الأحقية لكل متهم أو مشتبه فيه أن يمثل أمام محكمة محايدة و أن يتمتع بكافة حقوقه وفق شكليات محددة لا يجوز مخالفتها لارتباطها الوثيق بحرية الافراد. ومن هنا أوجب قانون المسطرة الجنائية ضرورة تحرير الوقائع المشتبه في وصفها جرائم بمحاضر أو تقارير أضفي عليها حجية متى كانت مستوفية لمقتضيات المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية حتى يتسنى الوثوق بمضمونها مالم يثبت مايخالفها (المادة 290 من ق.م.ج ).

كما أن حجية هاته الأخيرة تبقى غير ثابتة متى تعلق الأمر بجناية أو جنحة و بحسب نوعيتها كمحاضر الإستماع أو محاضر الإنتقال و المعاينة… إلا أن الواقع العملي لجهاز النيابة العامة أفرز بعض التسميات المستمدة أساسا من ممارسة الضابطة القضائية و التي تجعل تسمية المحاضر المنجزة عند تقديم المشتبه فيهم الموضوعين رهن تدابير الحراسة النظرية أمام النيابة العامة بمساطر التقديم أو عندما يتعلق الأمر بإنجاز محاضر للمشتبه فيهم في حالة سراح بالمساطر العادية أو تلك المتعلقة بوقائع مادية بالمعلومات القضائية. و المقصود بالمحاضر المنجزة تلك التي يستفاد منها استكمال عمل الضابطة القضائية لأبحاثها للتثبت من ارتكاب أفعال موصومة بالتجريم تحت إشراف النيابة العامة، إلا أنه قد يقع أن لا يتم استكمال هاته الأبحاث إما لاستعصاء إلقاء القبض على الجناة بمناسبة فرارهم أو ورود أسماء فاعلين أو مشاركين بها أو إذا تعلق الأمر بجرائم خاصة يستلزم فيها تعميق البحث أو تطلب الأمر سلوك بعض الشكليات المقررة قانونا، فيبقى البحث معلقا لحين تمكن ضابط الشرطة القضائية من الإستماع للمشتبه فيه أو المتهم حفظا لحقوق هذا الأخير في إبداء تصريحه حول الوقائع المنسوبة إليه (هاته التي اصطلح عليها بالمساطر المرجعية أو المساطر الإستنادية) ولا يجوز تباعا لذلك إحالة المشتبه فيه أو المتهم للمحاكمة دون تمكينه من الدفاع عن نفسه أو إعطاء وجهة نظره بشكل محدد بمراحل تراتبية تبتدأ عند الضابطة القضائية مرورا بجهاز النيابة العامة أو التحقيق في حالة إحالته عليه و انتهاءا بقضاء الحكم. والتي يبقى للنيابة العامة باعتبارها الحارس الأمين على حقوق الأفراد و الجماعات سلطة الإشراف على هاته الأبحاث بما يتناسب مع مبدأ شرعية الإجراءات المسطرية، تحقيقا لأحقيتها في إثارة الدعوى العمومية و ممارستها نيابة على المجتمع بما يتناسب و خصائصها التي تميزها عن غيرها من الجهات المخول لها الحق في إقامة الدعوى العمومية إعتبارا لصفتها الإزدواجية التي تمزج بين الصفة الضبطية و القضائية في آن واحد. بيد أن صفتها الضبطية تجعلها تسموا قانونا في توجيه تعليمات للضابطة القضائية التي تعمل تحت إشرافها لتسيير الأبحاث و تحقيق الأمن القضائي من جهة، وبين صفتها القضائية التي تجعلها تمارس مهامها بكل تجرد و استقلال، هذا الذي لا يمنع من الإشارة لكون أن جهاز النيابة العامة عرف طفرة نوعية من حيث رئاسته التي أسندت للسيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بدل وزير العدل كتجسيد للاستقلال الفعلي لهاته المؤسسة بعدم خضوعها لتعليمات من جهاز تنفيذي ناهيك على جعل التعليمات الصادرة منها كتابية و التي لها في ذلك الحق في توجيه دوريات و مناشير لمرؤوسيها تسيرا لسبل العمل و تنفيذا للسياسة الجنائية . وعلاقة بموضوع مداخلتنا الذي سنحاول تسليط الضوء فيه على المساطر المرجعية المتعلقة بجرائم المخدرات على ضوء منشور النيابة العامة الأخير الذي يستدعي طرح مجموعة من الإشكالات ذات الصلة من قبيل : – خصوصية المساطر المرجعية بقضايا المخدرات بين الدال و الاستدلال – الدلالات الشكلية و الموضوعية لمنشور النيابة العامة بقضايا المخدرات أولا : خصوصية المساطر المرجعية بقضايا المخدرات بين الدال والإستدلال بالرجوع للنصوص الإجرائية أو المسطرية لا نجد أي تعريف قانوني للمساطر المرجعية وهذا أمر طبيعي بالنظر لكون أن وظيفة المشرع من حيث المبدأ لا تندرج في إعطاء تعاريف لكون أن ذلك موكول للقضاء و الفقه في وضع تعاريف محددة. إلا أن ذلك لا يمنع من الإجتهاد في البحث عن أصول هاته التسمية التي استمدت من الواقع العملي كما سبق الإشارة إلى ذلك، طالما أن محلها لا يخرج عن كونها محاضر منظمة بالقانون بل ومشمولة بحماية الفصل 290 من قانون المسطرة الجنائية و لا يستساغ تمطيطها لدرجة اعتبارها تقوم مقام الحجة و الدليل القاطع أو المطلق الذي لا يقبل إثبات العكس. فالممارسة العملية أفرزت تمظهر هاته الأخيرة و بشكل حاد بقضايا المخدرات و ذلك راجع بالأساس لاعتبارات تهم طبيعة جريمة المخدرات و آثارها الخطيرة على المجمتع، بل وحتى صعوبة ضبط مرتكبيها اللذين يتميزون عن غيرهم بمعرفتهم اليقينة لكل الأساليب المستعملة في محاربة هاته الآفة لذلك فالجاني بجرائم المخدرات على قدر غير مستهان به من اليقظة، ويستعمل جميع الأساليب للإفلات من قبضة العدالة، فهو ينتهج في كل وقت وحين جميع الإحتياطات من قبيل استعماله لهواتف بأرقام مجهولة و لأشخاص وسطاء كثر و معرفة نقاط التفتيش وغيرها..، مما يستعصي معه إلقاء القبض عليه في حالة غير حالة التلبس فيكون الخيط الأول الذي يمكن الضابطة القضائية من التعرف عليه هو ذكر هويته أو أوصافه إما من قبل مستهلكي هاته المادة أو من قبل الوسطاء المتاجرين بها، إلا أن ذلك لا يعني القفز على وسائل الإثبات الجنائي بمجرد ورود إسم أو تورطه في قضية للمخدرات (قاعدة : نفي مصرحي المسطرة المرجعية سابق اقتنائهم المخدرات من الظنين مقابل انكار هذا الأخير الفعل المتابع بشأنه، يجعل ثبوت الإتجار في المخدرات غير قائمة -قرار محكمة النقض عدد 47/1 ملف جنحي عدد 12088/2013 بتاريخ 29/01/2014-). لذلك أعتقد أن خصوصية هاته الجريمة من حيث طبيعتها و طبيعة مرتكبيها هي ما جعلت المشرع ينظمها في إطار قانون خاص “ظهير 21 ماي 1974” وليس ضمن مجموعة القانون الجنائي كإشارة للدارس و الممارس على أن هاته الجريمة تحتاج لخصوصية تتناسب مع طبيعتها وهو الأمر الذي أفرز نقاشا عميقا حول المساطر المرجعية بالمخدرات دون غيرها بقضايا أخرى، خاصة أن قواعد الإثبات الجنائي التي تكون ثابتة في باقي الجرائم نجدها بجريمة المخدرات متحركة قد تؤدي في بعص الأحيان للإعتماد على مجرد تصريحات متهم في مواجهة متهم آخر (التي استقر عليها الإجتهاد القضائي في اعتبار: شهادة متهم على متهم لا تجوز إلا إذا كللت بقرائن و دلائل أخرى تعضضها في إطار ما يسمى “مبدأ تساند الأدلة “). مما يستتبع في نظري المتواضع للنظر في كون أن البحث مع متهم ورد إسمه بموجب مسطرة مرجعية لا يدعوا للريبة و القلق على حقوق الأفراد و حرياتهم، طالما أن أحقية المشتبه فيه في إثبات العكس مضمونة قانونا. لذلك لا يجب الغلو في اعتبار المساطر المرجعية سيف مسلط على رقاب الأبرياء بقدر ما أن ورود إسم لمشتبه فيه لتورطه بجريمة المخدرات يستلزم تحقيق نوع من الموازنة بين أحقية النيابة العامة في البحث و التقصي حول جدية هاته التصريحات و إلى جانبه قضاء التحقيق و الحكم و بين أحقية المعني بالأمر في الإدلاء بدلوه و تقديمه لكل أوجه دفاعه لإثبات عكس ما ورد فيها. مما يعني أن مدلولية الدال لا تقوم حجة للإستدلال وهذا ما سنتناوله بالدراسة و التحليل على ضوء منشور النيابة العامة حول تدبير المساطر المرجعية المؤرخ في 16 أكتوبر 2018. *-ثانيا الدلالات الشكلية و الموضوعية لمنشور النيابة العامة بقضايا المخدرات : يعتبر منشور النيابة العامة المتعلق بالمساطر المرجعية بقضايا المخدرات خطوة نوعية تحمل في طياتها العديد من الدلالات الشكلية و الموضوعية التي سنعرج عليها كالتالي : أ‌- الدلالة التعريفية : باستقراء منشور النيابة العامة المشار لمراجعه أعلاه يلاحظ أنه أعطى تسمية لهاته النوعية من المساطر واضعا حدا لكل التسميات الرائجة بالأوساط القانونية و القضائية ، بوصفها الوصف الأدق بخلاف تلك التسميات المتعددة كالمساطر الإستنادية أو المساطر الإستدلالية ليوحد بذلك بين كل تلك المفاهيم في اختيار “المساطر المرجعية”، الذي أجده الأقرب للصواب فالمساطر تم استقائها من قانون المسطرة الجنائية و الذي يعتبر قانونا للشكل و المراجع للدلالة على تاريخ انجاز المحضر و ترقيمه و الجهة المكلفة به مما يدفعنا للقول بكون أننا اليوم نتوفر على مرجع قضائي يؤسس لمفهوم المساطر المرجعية و كيفية التعامل معها ينضاف للأحكام القضائية التي اعتمدت هاته التسمية. ب‌- الدلالة الدستورية : من أهم مرتكزات عمل النيابة العامة هو حماية الأفراد و الجماعات وتوفير جو من الثقة بمرفق القضاء من خلال تخليق الحياة العامة، و التي لا يخرج عنها المساهمة بتخليق الحياة القضائية لذلك كان المستهدف الأول و الأخير من خلال هذا المنشور هو المتقاضي انتصارا للخطب الملكية السامية الداعية لجعل القضاء في خدمة المواطن وكذا تكريس المبادئ الدستورية و الإتفاقيات الدولية. ليأتي هذا المنشور ليبث روحا جديدة للمحاكمة الزجرية بأكثر القضايا تعقيدا وخطورة ألا وهي قضايا المخدرات (باعتبار أن جريمة ترويج المخدرات وحيازتها تشكل استثناءا من القاعدة الجنحية التي تفرض عقوبة حبسية تتجاوز خمس سنوات لتصل لعشر سنوات من الحبس و الغرامة وكأنها جريمة جنحية بعقوبة جنائية). لذلك عمد منشور النيابة العامة المذكور إلى تعزيز قرينة البراءة من خلال الضوابط المرسومة به وكأن شرعية الإجراءات من شرعية المتابعة. وبه لا يجوز متابعة أي شخص مشبه فيه أو متهم دون توافر قرائن و دلائل تحوم حول إمكانية إرتكابه لفعل موصوم بالتجريم بوضع سد منيع أمام المتابعات الإفتراضية لأن الأصل بموجب المادة 1 من قانون المسطرة الجنائية في كل مشتبه فيه أو متهم البراءة هذا الذي ارتقي به لمبدأ دستوري بعدما أن كان مجرد نص مسطري لا غير. ت‌- الدلالة الإجرائية : اعتبر أن منشور النيابة العامة موضوع دراستنا قد أعاد التوازن بين القواعد الإجرائية و القواعد الموضوعية بيد أن ورود هوية شخص أو مواصفاته بمسطرة تتعلق بجريمة المخدرات لا يعطي الأحقية في القفز على قواعد البحث و التقصي المعمول بها للتأكد من مدى جديتها من عدمها. ذلك أن التباين الملاحظ في غلو القاعدة الموضوعية على القاعدة الإجرائية خلق نوع من التعسف في بعض الأحيان على ضمانات المحاكمة العادلة فكان من اللازم إرجاع الأمور لنصابها من خلال إقرار توازن إزدواجي بين القواعد الإجرائية و الموضوعية وتوفير المساحة اللازمة بين كل واحدة منهما عن الأخرى بما يكفل جعل القاعدة الإجرائية في خدمة القاعدة الموضوعية لا العكس. وهو ما تم تسطيره بموجب البند الأول من المنشور المذكور من خلال دعوته إيلاء المساطر المرجعية المزيد من العناية و الدقة أثناء مرحلة البحث التمهيدي و التقديم. وكذا القيام بكل التحريات اللازمة وتعميق البحث فيها مع استنفاذ كافة الإجراءات القانونية الضرورية في مرحلة البحث الجنائي بشكل يخدم الوصول للحقيقة بموجب ما البند الثاني منه. ث‌- الدلالة القضائية : باستقراء السطور الواردة بمنشور النيابة العامة وما تكتنفه من إشارات تقوي المكانة القضائية للنيابة العامة من خلال النقط التالية : أولا : – أن منشور النيابة العامة يدخل في إطار الإجتهاد القضائي لمؤسسة النيابة العامة، ذلك أن باعتبارها جهازا قضائيا لا يقف عند ممارسة النيابة العامة لمهامها التقليدية أو الكلاسيكية في تسيطير المتابعات و مباشرة الدعوى العمومية بل من أضحى بموجب المناشير النيابية اجتهادا لقضاء النيابة العامة، لكون أن اكتساب صفة الإجتهاد القضائي ينحوا من خلال تضمنها للآليات المساعدة في إعمال قواعد مسطرية وكيفية تيسير سبل تنزيلها بقضايا المساطر المرجعية للمخدرات. ومنه فإذا كنا نتصور في وقت سابق أن الإجتهاد القضائي لا يمكن تصوره إلا من خلال صدور أحكام ومقررات قضائية من قبل محكمة النقض أو محاكم الموضوع، يمكن لنا اليوم أن نفتخر بالقول بكون أن هذا المفهوم أضحى متجاوزا أمام استقلال رئاسة النيابة العامة و إسناد رئاستها لجهة قضائية ممثلة في السيد رئيس النيابة العامة وصدور مناشير رئاسية للنيابة العامة ذات طبيعة قضائية طالما أن الصفة القضائية لرئاسة النيابة العامة حاضرة و بقوة و لا يمكن تجاهلها بأي شكل من الأشكال. ثانيا : – إذا كان المنشور النيابي يكتسي الصفة القضائية بحسب ما أشرنا إليه سابقا فإن الطبيعة القانونية لهذا الأخير تجعله متميزا عن غيره لكونه يكتسي بنفس الوقت صبغة تعليمات كتابية لا يجوز مخالفتها و يستتبع في نفس الوقت ربط المسؤولية بالمحاسبة. كما يستهدف توحيد عمل النيابة العامة بربوع المملكة انتصارا لمبدأ وحدة النيابة الدي يتبين أنه توسع ليطال عمل هاته الاخيرة ليبتعد عن المفهوم التركيبي الدي كان يقضي بكون أن جميع أعضاء النيابة العامة وحدة متجانسة، ليهم القطع مع تلك الممارسات المتباينة لبعض النيابات العامة بالقضايا المتعلقة بالمساطر المرجعية للمخدرات. و هذا بحد ذاته أكبر تجسيد لشفافية مرفق النيابة العامة و تكريس لمبدأ مساوات الجميع أمام القضاء الذي تم اقتباس تنزيله ليس على مستوى القضاء الجالس بل أن حضوره أصبح واقعا بقضاء النيابة بموجب هذا المنشور. إذن يحق لنا القول أن رهان رئاسة النيابة العامة يفوق كل التوقعات في حضور صفتها القضائية من خلال سلوك منهجية علمية متعددة الإتجاهات هدفها الأول والأخير المساهمة الفعلية في تحقيق الأمن القضائي. ثالثا : بخلاف القراءة الإستنباطية التي اعتمدناها في محاولة ملامسة منشور النيابة العامة المتعلق بالمساطر المرجعية بقضايا المخدرات، نجد بكون أن ما تم تسطيره بهذا المنشور بمثابة خطة للعمل كلما عرض على أي نيابة عامة قضية مماثلة أن تسلك مسالك معدة سلفا كإجراءات احترازية لسد باب التقاضي بسوء النية في مواجهة بعض المصرحين الذين يكون هدفهم الإنتقام أو الاسترزاق اللامشروع والتأثير على مقررات النيابة العامة من خلال توريط بعض الأشخاص بذكر أسمائهم أو ألقابهم بقضايا المخدرات وترتيب الآثار القانونية اللازمة بكل حزم (البند الخامس من المنشور). لذلك كانت الحكمة حليفة منشور النيابة العامة من خلال إقرار مبدأ الأمن الإجرائي و المسطري وتوحيد أعماله وقطع الطريق بشكل نهائي مع هاته الممارسات بترتيب الجزاء المقرر قانونا كلما ثبت صحة ذلك. رابعا : من البديهي أن أي اجتهاد قضائي يستهدف بالدرجة الأولى توحيد العمل القضائي، إلا أن الإجتهاد النيابي لقضاء النيابة العامة، كما تمت تسميته بموجب هاته المداخلة استهدف عقلنة عمل النيابة العامة و ترشيد المتابعات المتعلقة بالمساطر المرجعية لقضايا المخدرات الشئ الذي سيساهم بالإيجاب في حكامة قضائية متميزة بل شكل لا محالة سابقة تنضاف لسجل رئاسة النيابة العامة الحافل منذ استقلالها على الجهاز التنفيذي و انتصارا لدولة الحق و القانون. ج‌- الدلالة التفاعلية لطالما استهدفت النيابة العامة بحكم نيابتها على المجتمع و اعتلاء منصة القضاء الواقف للمطالبة بزجر المخالفين للقانون بتوصيفات متعددة اختلفت باختلاف مواقع أصحابها بين من اعتبرها الخصم الشريف بالمنازعة الزجرية، و بين من اعتبرها جافة في ملتمساتها التي لا تخرج عن المطالبة بالإدانة و إيقاع أقصى العقوبات. إلا أن حضور مؤسسة النيابة العامة من خلال مناشيرها أضاء المشهد القانوني و القضائي بل وحتى الحقوقي من خلال تفاعلها الإيجابي مع ما تعرفه نقاشات حقوقية جادة بخصوص حريات الأفراد و الجماعات، و التي من بينها موضوع المساطر المرجعية بقضايا المخدرات والإبتعاد كل البعد عن سياسة الجمود و الصمت. مما يدفع للقول بكون أن السياسة الجنائية اليوم بالمغرب عرفت نقطة تحول كبرى منذ استقلالها من خلال الإنفتاح الإيجابي على كل القضايا التي تشغل باب المتقاضين و المواطنين بصفة خاصة، و التفاعل الآني مع كل الإشكالات المطروحة بالإجتهاد لوضع حلول عملية و منهجية لا تخرج عن نطاق العدالة في القانون، مع مراعاة الإعتراف بما تواجهه النيابات العامة من صعوبات وما يكتنف على عاتقها من مسؤوليات جسام. ح‌- الدلالة الحقوقية لا خلاف حول كون أن صيانة الحقوق و الحريات هو أكبر مبتغى للشعوب و الأمم، وهذا ما جعل دستور 2011 أولى عناية خاصة لهذا الموضوع، متماشيا مع كل المتغيرات الدولية و الإقليميــــة، التي رفعت سقف هاته المبادئ لحقوق دستورية لا يجوز المس بها لدرجة أضحت مقياسا للتقدم والديموقراطية، هذا الإتجاه الذي سارت فيه التشريعات الوطنية ذات الصلة بل و الذي انكبت بشأنه مشاريع القوانين و التي على رأسها مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد. لكنه ارتباطا مع موضوع دراستنا نجد أن منشور النيابة العامة لم يخلف موعده في تسجيل حضور بعده الحقوقي من خلال دعوته الصريحة لتفادي اعمال الاجراءات الماسة بالحرية إلا في أضيق الحدود بموجب البند الرابع منه، و كذا دعوته الصريحة في عدم التردد في حفظ المساطر المرجعية إذا ما اسفرت إجراءات البحث الجنائي على سلبية نتائجها وغياب الإثباتات اللازمة بموجب البند الثالث. (هذا الذي يتماشى مع توجهات محكمة النقض بهذا الشأن “تراجع مصرح المسطرة المرجعية عن تصريحاته التمهيدية واقراره بعدم تزويد الظنين بأي مخدرات، وإنكار الظنين لتهمة الإتجار في المخدرات يجعل القرار القاضي بعدم المتابعة سليما ومؤسسا” قرار محكمة النقض عدد 562/1 الملف الجنحي عدد 3242/2014 بتاريخ 11/06/2014). مما يعد سابقة قضائية في تاريخ النيابة العامة بل أكبر تجسيد لدفاعها المستميت على حقوق الأفراد وحرياتهم. ومنه لا يسعنا في الأخير إلا الإشادة بهاته المبادرات الخلاقة التي جمعت بين الشكل و المضمون في إقرارها قاعدة جوهرية بكون أن مدلولية الدال لا تقم مقام الحجة للإستدلال للقول بثبوت فعل موصوم بالتجريم دون توفر دلائل وقرائن قوية على ذلك، واعتبار حرية الأفراد خط أحمر غير قابل للتجاوز، الشئ الذي يجعل مشعل النيابة العامة يزداد إضاءة كلما عزز بممارسة رشيدة قوامها تشريف و تكليف، لايخرج عن الجمع بين حسنة الإجراء و الموضوع، والتي لا تكتمل إلا من خلال مواكبة فعالة وناجعة تساهم في تحقيق أمن قضائي متميز و خلوق ينسجم تمام الإنسجام مع الخطب الملكية السامية ذات الصلة.

مواضيع قد تهمك

2018-12-10
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة - أريفينو الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

mhamd