“يَهود مَليلية” .. حكاية كتاب أثار جدل “معاداة السامية” في إسبانيا

ARIFFINO.NETآخر تحديث : السبت 17 نوفمبر 2018 - 4:33 مساءً
“يَهود مَليلية” .. حكاية كتاب أثار جدل “معاداة السامية” في إسبانيا

محمد الخطابي(عضو الأكاديميّة الإسبانيّة الأمريكيّة للآداب والعلوم – بوغوطا- كولومبيا)

“اليهود واليهودية في مدينة مليلية” كتاب كان قد أعيد نشره في إصدار جديد من طرف المستشارة الثقافية السّابقة “سيمي شوكرون” التي تنتمي لـ “الحزب الشّعبي الإسباني” الذي أصبح اليوم في صفوف المعارضة، بعد استلام الحزب الاشتراكي العمّالي الإسباني سدّة الحكم في إسبانيا منذ أربعة أشهر مضت بسحب الثقة من الحكومة الشعبية السّابقة، بعد تفاقم الفساد الإداري والمالي الذي نخر هذا الحزب المعروف بميوله اليمينية في خضمّ السياسة الإسبانية، إلاّ أن هذا الحزب (الشعبي الإسباني) بالذات كان قد تولّى مقاليد الحكومة المحية في هذه المدينة المُحتلة بعد فوزه في الانتخابات الجهوية الأخيرة (2015- 2019).

هذا الكتاب الذي نحن بصدده كان مثارَ جدلٍ هائج ما زالت تُسمع أصداؤه حتى الآن، حيث خلّف آثاراً وخيمة، وَوَجْعَ دماغٍ مستديم ما فتئت تعاني منهما هذه المدينة الأسيرة حتى اليومّ، بعد أن واجهت المستشارة السابقة اتّهاماً مُحرجاً بالتلاعب بمبلغ (70.000 يورو)، حيث كانت أصابعُ الاتّهام قد أشارت إلى أن هذا الكتاب المشبوه فيه ربّما لم تلفظه المطابعُ قطّ، أو لم تُطبع منه سوى نسخٍ قليلة.

وتجدر الإشارة إلى أن الحزب الشعبي الإسباني كان قد سحب الثقة من هذه المستشارة منذ بضع سنوات بعد اتّهامها بالتلاعب، والابتزاز في هذه القضيّة بالذات، وتمّت إدانتها بهذا الخصوص من طرف محكمة خاصّة.

بداية الحِكَايَة

تشير المستشارة الثقافية السابقة التي كانت تدعمها آنذاك ما يُسمّى “بالحكومة المحلية لمدينة مليلية”، إلى أنّها سدّدت المبلغَ المذكور إلى المدرسة الحاخامية اليهودية في مدينة نيويورك لطبع هذا الكتاب. جميع القوى السياسية المعارضة للحزب الشعبي في ذلك الإبّان الذي الذي يحكم المدينةَ، في مقدّمتها “الحزب الاشتراكي العمّالي الإسباني” وسواه من الأحزاب الأخرى، كانت قد وضعت هذه الرّوايةَ موضعَ الرّيبة والشكّ، إلاّ أن المستشارة زعمت أنه قد تمّت طباعة ما يقرب من 4.000 نسخة من هذا الكتاب، واتهمت معارضيها بأنّهم مناوئون أو معادون للسّامية. المستشارة الثقافية السابقة “سيمي شوكرون” هي زوجة “خايمي أزنقوط”، رئيس الجماعة اليهودية بمدينة مليلية السليبة.

وللتحقيق والتأكّد ممّا جَرَى بخصوص هذا الموضوع، فقد تمّ استدعاء المتورّطة في هذه النازلة من طرف القاضي الإسباني “فرانسيسكو راميريس” بتهمة الإخلال بالمسؤولية، و”ارتكاب مخالفات وتجاوزات إدارية “، وكانت هذه القضية قد أثارت فضولَ الرّأي العام في هذه المدينة، بل تجاوزتها إلى باقي التّراب الإسباني.

وترى بعض الجهات الصّحافية أن هذا الكتاب “لم تصدر منه في واقع الأمر سوى نسخ قليلة جدّاً”، وهو كتاب مشحون بالمغالطات، وبالمصانعات، والمجاملات، والمداهنات نحو الحكومة المحلية للحزب الشعبي الحاكم في المدينة في ذلك الوقت، وقبل طبعته الجديدة الأخيرة، كان قد صدر في طبعة سابقة أوّلَ مرّة أواخر التسعينيات من القرن الفارط، وهو يسلط الأضواءَ على الجماعة اليهودية المستقرّة في مدينة مليلية المُحتلة.

مؤسّسة الأَيْدِي النَظِيفَة

كان النائب البرلماني عن الحزب الاشتراكي العمّالي الإسباني في مدينة مليلية آنذاك قد تقدّم بشكوى قضائية ضدّ المستشارة اليهودية لدى المدّعي العام بالمدينة، الذي يؤكّد أنها ارتكبت مخالفات إدارية وتجاوزات مالية، وقد زعمت في تصريحاتها للصّحافيين وللعدالة فيما بعد أن الكتاب قد تمّ توزيعه على جميع اليهود في العالم المنحدرين من أصول مليلية أو إسبانية، ولم يعد في مدينة مليلية سوى نسخة واحدة وصلتْ إلى هذه المكتبة بعد سنتين من صدور الكتاب.

وكانت نقابة مؤسّسة “أيدي نظيفة” الإسبانية قد وزّعت بياناً تؤكد فيه أنه “أمام تورّط مستشارة الثقافة، سيمي شكرون، في هذه القضية الحرجة المتعلقة بطبع كتاب حول “اليهود واليهودية في مليلية”، فإنّ هذا الكتاب لا وجود له في الأساس، أو ربّما لم يُطبع منه سوى النزر القليل. والحالة هذه، فإننا نطالب رئيس الحكومة المحلية لهذه المدينة، خوسّيه إمبرودا، بإعفاء المستشارة آنفة الذكر من مهامها”.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الأخير هو الذي عاد إلى رئاسة الحكومة المحلية الحالية في هذه المدينة المنتمية للحزب الشعبي الإسباني.

وتزعم المستشارة أنها كانت قد كلّفت ما يُسمّى “بيت مدينة مليلية في القدس” ومركز “شيبارسافارديك” في القدس كذلك بطبع هذا الكتاب، إلاّ أن هذا المركز طلب من المستشارة دفع تكلفة الطبع لمقرّه الرئيسي في نيويورك، (يعمل هذا المركز على تكوين الحاخامات السّفردييّن المنحدرين من أصول إسبانية).

مُعاداة السّامية إِتِّهَامٌ بَاطِل

وكان النائب الاشتراكي “ديونيسيو مونيوث” قد عبّر عن حنقه وغضبه خلال أحد الاجتماعات العامة لمجلس الحكومة المحلية للمدينة السليبة مقارناً الحاخامات السّفرديين اليهود بطالبان، وتساءل كيف سيكون موقف “الحزب الشعبي” لو أن “الائتلاف من أجل مليلية” (الحزب الإسلامي في هذه المدينة) آل إليه حكم مدينة مليلية ذات يوم، وأقدم على التعاقد على شيء شبيه بهذا مع مدرسة قرآنية في أفغانستان التي تعمل على تكوين طالبان؟!

وقال النائب الاشتراكي إن النسخ القليلة التي طبعت من هذا الكتاب لا تتوفّر على أرقام الإيداع، ولا على تواريخ الإصدار والتسجيل، وعليه لا يمكن معرفة عدد النسخ التي تمّ طبعها حقيقة من هذا الكتاب، كما لم يتمّ احترام ومراعاة إجراءات الطبع كتحديد عدد النسخ، وأين تمّ توزيعها، والإيداع القانوني أو رمز الطبع حتى تتوفّر عناصر المراقبة في مثل هذه الحالات.

وقد أكّد المعارضون الاشتراكيون أن هذه العملية قد تمّ طبخها بهدف الرّبح المادي الذي عاد لصالح “يشيفا” (مدرسة تلقين التوراة والتلمود) في القدس المحتلّة حيث كان يتابع نجل المستشارة المذكورة دراسته، ولقد اتّهمت المستشارة معارضيها ومناهضي الحزب الشعبي على إثر ذلك بمعاداة السّامية.

وعلّق زعيم الاشتراكيين في مدينة مليلية، غريغوريو إيسكوبار، على ذلك قائلا: “إنّه في غير محلّه أن تدافع المستشارة عن نفسها بعد تورّطها في هذه الورطة باتهام الاشتراكيين بمعاداة السّامية”، وأضاف أن “المستشارة كما يلاحظ تحتمي وراء طائفة دينية أقليّة وهي اليهودية، وهذا أمر خطير للغاية”.

وكانت المستشارة الثقافية اليهودية، سيمي شوكرون، قد مثلت رفقة محاميها في تاريخ سابق أمام القضاء في مدينة مليلية بخصوص المخالفات الإدارية التي لها صلة بهذا الكتاب، واستغرقت مدّة استجوابها ساعتين ونيّف بعد أن تمّ استدعاؤها لهذه الغاية من طرف القاضي فرانسيسكو راميريث الذي عُهِد إليه متابعة هذا الموضوع.

وصرّحت المستشارة للصّحافيين عند خروجها من المحكمة بأنّها لا تعرف ماذا سيتمّ بشأنها، كما أنّها لم تستطع الإجابة عن مآل أو مكان تواجد الـ 4000 نسخة التي تقول إنها طبعت من هذا الكتاب، حيث كانت ما يسمّى بـ”الحكومة المحلية للمدينة” قد صرّحت بأن هذه النسخ قد تمّ توزيعها على اليهود الشتات المنحدرين من مليلية الموزّعين في مختلف أنحاء العالم، ولهذا لا توجد سوى نسخة واحدة في المكتبة العمومية بمدينة مليلية، إلاّ أنّها عادت وصرّحت فيما بعد بأنها قدّمت الشّروح والتفاسير اللاّزمة حول هذا الكتاب وحول الضجّة التي نشبت بشأنه والجدل الذي أثير حوله.

الخَبرُ اليَقِينُ!

وكان قد عاب بعضُ اليهود الإسبان أنفسهم وعاتبوا في مواقع التواصل الاجتماعي على المستشارة اتّهامها لمعارضيها بمعاداة السّامية، لأنّ ذلك من شأنه أن يضعف من موقفها، ويثير مزيداً من الشكوك حولها، كما وجّه بعض المعلقين أصابعَ الاتهام للحاخام سلمون فاهنون، الذي كلف بطبع الكتاب، بخصوص التسيير المالي، ونعتوه بأنه رجل مشبوه في المسائل المالية بالذات، كما أنّه غير جدير بالثقة، وهو لم يكلّف نفسَه حتى عناء تعليم أبنائه اللغة الإسبانية على الرّغم من تظاهره بالافتخار بأصله الإسباني وانحداره من مدينة مليلية.

وتضيف بعض هذه التعاليق أن الجماعات اليهودية الإسبانية ليس في مدينة مليلية وحدها بل في كل التّراب الإسباني قد باعت نفسها للحزب الشعبي الإسباني الحاكم، وأنّ معاداة السّامية–إن وُجِدت-فالسّبب في ذلك يؤول إلى تصرّفات بعض اليهود الإسبان التي لا تتّسم بالوضوح، والصّفاء، والشّفافية، خاصّة في القضايا السياسية.

وقال معلق آخر: “ماذا يمكن أن ننتظر من الحزب الشعبي، خاصّة وأنّ أحد رؤسائه السابقين، وهو خوسّيه ماريا أثنار (رئيس الحكومة الإسبانية عن الحزب الشعبي قبل ماريانو راخوي المقال مؤخراً بسحب الثقة من حكومته)، معروف عنه معاداته للمسلمين، وهو صهيوني متطرّف، وقد موّل بنقود المواطنين الإسبان بناء مدرسة تلقّن تلامذتها أن (العِرْق اليهودي هو الأعلى والمشهود له بالتفوّق)”!

وكان معظم هذه التعاليق قد نُشرت في جريدة “البّاييس” الإسبانية واسعة الانتشار، وسواها من وسائل الإعلام الإسبانية على اختلافها، وذلك على امتداد السنوات الماضية.

تُرى ماذا حدث بخصوص هذا الموضوع المثير الذي ما زالت انعكاساته، وآثاره، وزوابعه، وتوابعه تهبّ على هذه المدينة السليبة إلى اليوم، حتى وإن تمّ سحب الثقة من المستشارة آنفة الذكر، سيمي شوكرون”؟

وقديماً قيل: عند جهينةَ الخبرُ اليقينُ!

مواضيع قد تهمك

2018-11-17
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة - أريفينو الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

ARIFFINO.NET