اختفاء الموز في تونس..

أريفينو : 10 يناير 2026

تشهد الأسواق التونسية منذ قرابة شهرين اختفاءً شبه تام لمادة الموز من المتاجر الكبرى، في مشهد بات يذكر بأزمات الندرة المتكررة التي عرفتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، حيث تتحول المواد الاستهلاكية الأساسية إلى سلع نادرة داخل المسالك الرسمية، مقابل توفرها في الأسواق الموازية بأسعار مضاعفة.

وغاب الموز عن رفوف كبرى السلاسل التجارية، في حين ظل متوفرا لدى الباعة المتجولين وبعض الأسواق الشعبية، لكن بأسعار خيالية وصلت إلى نحو 20 دينارا للكيلوغرام، أي ما يفوق بكثير الأسعار المرجعية التي حددتها السلطات، في صورة تعكس فقدان الدولة السيطرة على قنوات التوزيع، على غرار ما يحدث في الاقتصاد الجزائري.

وأفاد مهنيون في قطاع البيع بالتقسيط أن أسعار صندوق الموز، الذي يزن حوالي عشرة كيلوغرامات، تراوحت بين 220 و270 دينارا حسب المناطق، وهو ما أثار موجة استياء واسعة في صفوف المستهلكين، الذين اعتبروا أن هذا الارتفاع غير مبرر، في ظل ضعف المراقبة وتحول التدخلات الرسمية إلى حملات ظرفية سرعان ما تفقد أثرها.

وتعتمد تونس بشكل شبه كامل على استيراد الموز، خاصة من مصر ودول إفريقية أخرى، في غياب إنتاج محلي قادر على تلبية الطلب، ما يجعل هذه المادة شديدة التأثر بتقلبات الأسعار العالمية وتكاليف النقل وسعر الصرف. غير أن هذه العوامل، كما هو الحال في الجزائر، لا تفسر وحدها الأزمة، بقدر ما يكشف عنها تفشي المضاربة وتوسع السوق السوداء.

وأبرزت المعطيات أن شبكات التهريب والبيع خارج الأطر القانونية تنشط بقوة، سواء عبر الأسواق الموازية أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، مستفيدة من ضعف الرقابة لتفادي الرسوم الجمركية والمراقبة الصحية واحترام سقف الأسعار، وهو ما يؤدي إلى تحويل الإمدادات بعيدًا عن المتاجر الكبرى، تماما كما يحدث في النموذج الجزائري حيث تختفي السلع من القنوات الرسمية لتظهر بأسعار مضاعفة في السوق غير المنظمة.

وفي المقابل، تؤكد السلطات التونسية أنها كثفت حملات التفتيش وصادرت كميات من الموز غير المطابقة للقانون أو المعروضة بأسعار مخالفة، مع إعادة ضخ جزء منها في المسالك الرسمية، غير أن هذه الإجراءات، وفق متابعين، تظل غير كافية لمعالجة أزمة هيكلية تتكرر مع مواد مختلفة، وتكشف هشاشة منظومة التوزيع.

ولا يقتصر المشهد على الموز فقط، إذ تأتي هذه الأزمة في سياق اقتصادي ضاغط، يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، فرغم تراجع معدل التضخم إلى 4,9 في المائة نهاية دجنبر 2025، فإن أسعار المواد الغذائية واصلت منحاها التصاعدي، مسجلة زيادة سنوية بلغت 6,1 في المائة، مع ارتفاعات حادة في أسعار اللحوم والخضر والفواكه والأسماك.

وفي مؤشر إضافي على اتساع دائرة الأزمة، حذر مهنيون في قطاع الدواجن من نقص حاد وغير مسبوق في مادتي الذرة والشعير، وهو وضع لم تعرفه البلاد حتى خلال فترات الأزمات العالمية الكبرى. وأرجعوا هذا الاضطراب إلى إخلال بعض الشركات الموردة بالتزاماتها القانونية، خاصة ما يتعلق بتأمين مخزون استراتيجي من الأعلاف.

وتجلت تداعيات هذا النقص بشكل خاص في ولاية صفاقس، التي تمثل العمود الفقري للإنتاج الوطني للدواجن، حيث اضطر المربون إلى التزود من ولايات أخرى بتكاليف إضافية، في ظل غياب مخازن كافية تابعة للجهات الرسمية، ما فاقم من حدة الأزمة.

وبينما لم تكشف بعد كل الأسباب الرسمية، يرى متابعون أن طريقة تدخل الدولة في التوريد ومحاولة ضبط الأسعار، دون إصلاح عميق لمنظومة التوزيع والرقابة، قد تكون ساهمت في تعطيل الإمدادات، في سيناريو يعيد إلى الأذهان التجربة الجزائرية، حيث أدت السياسات الترقيعية إلى تكريس الندرة بدل القضاء عليها.

وتعكس هذه التطورات أن تونس، شأنها شأن الجزائر، باتت تواجه خطر الانزلاق نحو اقتصاد تتحكم فيه السوق الموازية والمضاربة، حيث تختفي السلع من القنوات الرسمية وتتحول الأزمات المؤقتة إلى ظواهر بنيوية تثقل كاهل المواطن وتضعف ثقة المستهلك في قدرة الدولة على ضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *