الحسن بلعربي يكتب.. المفاح اللغز بين الحقيقة و الخيال..

أريفينو / 31 أكتوبر 2025

لم تخنّي ذاكرتي يومًا. كنت دائمًا أستيقظ بنفس الترتيب: ضوء الشمس على الستائر، صوت عجلات القطار البعيد، والراديو الصغير بجوار سريري.
لكن في ذلك الصباح، لم يكن هناك سرير، ولا شمس، ولا ستائر.

استيقظت على هدير محركاتٍ تمزّق سكون الفجر، والطريق السيّار يمتدّ على بعد خطواتٍ مني، وجسدي مرميّ وسط الأعشاب اليابسة، مبلّلًا بندى الصباح. ملابسي مبللة بالندى، وظهري يؤلمني كما لو كنت نمت فوق الحجارة.

حاولت الوقوف، تعثرت، ثم جررت قدميّ نحو المدينة القريبة، أحاول أن أتذكّر… أي شيء.
كل ما أتذكره، على نحو مبهم، هو أنني كنت جالسًا في ساحة مقهى، وعيناي معلّقتان بلوحة إشهارية عليها رموز غريبة. بعد ذلك… لا شيء. الفراغ.
عندما وصلت منزلي، سحبت ملابسي عن جسدي المنهك لأخذ حمام دافئ. وبينما كنت أفرغ جيوب سروالي، عثرت على شيء لم أره من قبل: مفتاح، غريب الشكل، ثقيل بشكل غير طبيعي، بلونه النحاسيّ القديم ونقوشه التي تشبه الطلاسم.

كيف وصل إلى جيبي؟ لا أعلم. كان المفتاح يبعث فيّ قلقًا غامضًا، كأن شيئًا في أعماقي يعرفه قبل أن أراه. بعد الاستحمام، غلبني النعاس، ونمت حتى هبط الليل. كانت الرياح تعصف بقوة في الخارج، تصفر عبر النوافذ كأنها تعزف لحنًا حزينًا. جلست في مكتبي، حاولت أن أقرأ، لكن المفتاح كان يشغل بالي. جربته على جميع أبواب الشقة — دون جدوى.

أي باب يفتح هذا؟
فجأة، انقطع التيار الكهربائي. كل شيء غرق في الظلام… عدا أضواء الشارع التي ظلّت تلمع بشكل غريب. شعرت بشيء يدفعني للخروج، كأن الظلام يريدني أن أتحرك.

سرت إلى الحانة القريبة لأقضي بعض الوقت حتى عودة الكهرباء. في طريقي، سبقتني خطوات رجل مسنّ. كان نحيفًا، لكن خطواته خفيفة، سريعة، كأنه يطير لا يمشي. دخل الحانة، ثم التفت نحوي، وتقدّم نحوي مباشرة.
“سيدي… أعتذر على اقتحامي، لكن الأمر عاجل. لا وقت لدينا.”
“عذرًا؟ من أنت؟”
“أنت تحمل شيئًا يخصّنا. شيئًا غاليًا جدًا.”

حدّقت فيه، لا أعرفه. قال بصوتٍ خافت:
“لقد استضفناك في عالمنا ثلاث سنوات. كنت واحدًا منا. نسيت، نعم… هذا طبيعي. نحن مَن برمج ذاكرتك لتنسى.”
شعرت بقشعريرة تجتاح جسدي. أردت أن أضحك، لكنه تابع بنبرة جدية:
“انظر إلى ذراعك الأيسر. سترى وشمًا من نقاط صغيرة. لو رأيتها تحت المكبّر، سترى رموز استجابة سريعة. هذا هو مدخلك إلى عالمنا.”
رفعت كمي، وفعلاً… هناك، نقاط صغيرة جدًا، بالكاد تُرى.
“المفتاح الذي في جيبك… ليس لك. هو أمانة. عندما وقعت ثغرة في حدودنا، وكدنا نفقد شيئًا لا يقدّر بثمن، اخترناك أنت لتحمله، وأعدناك إلى عالمك.”
“لكن ما هو هذا الشيء؟ ولماذا أنا؟”
نظر إلي بحزن:
“من الأفضل ألا تعرف. فقط… شكراً لأنك احتفظت به.”
“و… إن أردت أن أعود؟”
“تأمل الرمز في ذراعك لأكثر من ثلاثين ثانية… وسنستقبلك كما كنت.”
قمت من مكاني، وطلبت منه أن ينتظرني. ركضت إلى منزلي، أخرجت المفتاح من الدرج، وعدت به إليه. وضع يده عليه، فاختفى. اختفى كما يختفي الضوء خلف السحاب. في اللحظة نفسها… عاد التيار الكهربائي.
وقفت مذهولًا، بين الحانة والليل، بينما تعصف الريح من حولي، والمفتاح… لم يعد في جيبي.
في صباح اليوم التالي، طرق بابي ثلاثة رجال يرتدون بذلات سوداء ونظارات داكنة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *