الدخول المدرسي بالحسيمة.. إصلاح على الورق وارتباك في الواقع

أريفينو : 13 نوفمبر 2025

جاء الدخول المدرسي 2025–2026 بإقليم الحسيمة وسط آمال كبيرة لدى الأسر والفاعلين التربويين بأن يكون هذا الموسم بداية مرحلة جديدة في تنزيل الرؤية الاستراتيجية 2015–2030 وخارطة الطريق 2022–2026.
لكن الواقع، كما تعكسه الوقائع الميدانية، جاء مخيبًا للانتظارات، إذ تواصل المدرسة العمومية بالإقليم معاناتها مع أعطاب بنيوية وإدارية مزمنة، جعلت شعار “مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء” مجرد واجهة تزيينية أمام واقع مثقل بالاختلالات.
ورغم كثرة الخطابات الرسمية عن الإصلاح، لا يزال المشهد التعليمي في الحسيمة بعيدًا عن روح التغيير الحقيقي.
الإشراف التربوي في تراجع، والدعم الاجتماعي في انكماش، والتدبير الإداري يعيش ارتجالًا واضحًا، فيما تزداد الفوارق المجالية بين الوسط الحضري والقروي، لتتحول بعض المؤسسات إلى فضاءات باردة تفتقر إلى أدنى شروط الكرامة الإنسانية.
وما تزال جماعات قروية كثيرة بالإقليم تعاني خصاصًا فادحًا في المؤسسات التعليمية، حيث يُجبر التلاميذ على قطع مسافات طويلة عبر تضاريس وعرة للوصول إلى المدرسة.
ويبدو المشهد في القطب الحضري سيدي عابد مثالًا على هذا الخلل، إذ يشهد توسعًا عمرانيا غير مصحوب بإنشاء مؤسسات جديدة تستوعب الارتفاع السكاني.
أما داخل المدارس، فالأقسام مكتظة والمرافق متهالكة. مراحيض غير صالحة، مياه مقطوعة، وبيئة مدرسية لا تحترم الحد الأدنى من شروط النظافة والصحة. إنها مؤشرات لا تليق بإقليم يُفترض أن يكون نموذجًا في العدالة المجالية.
في الوقت الذي يتحدث فيه الخطاب الرسمي عن “مدرسة رقمية متجددة”، تعاني مؤسسات الحسيمة من فقر مدقع في الوسائل التعليمية. سبورات تقليدية وطاولات متهالكة ومكتبات خاوية، أما قاعات الإعلاميات فغالبًا ما تكون مغلقة أو بلا حواسيب.
الأساتذة بدورهم يجدون أنفسهم مضطرين لاستعمال مواردهم الشخصية لنسخ الوثائق التربوية، في غياب آلات الطباعة والنسخ. واقع يجعل من “تكافؤ الفرص” شعارًا جميلاً بلا مضمون عملي.
فيما أزمة الخصاص في الأطر التعليمية ما تزال واحدة من أعمق الجراح. فمدارس في إمزورن وبني بوعياش وترجيست وكتامة وبني عمارت وغيرها، تعاني غياب أساتذة لمواد أساسية لأكثر من شهرين منذ انطلاق الموسم الدراسي.
وفي محاولة ترقيعية، لجأت المديرية الإقليمية إلى دمج الأقسام وتكليف أساتذة الابتدائي بتدريس مواد الإعدادي دون تكوين مسبق. قرارات تزيد من تراجع جودة التعلمات وتضرب استقرار الأطر التربوية في الصميم.
الأدهى أن تدبير الموارد البشرية ما زال يخضع لمنطق الولاءات والزبونية، بدل منطق الكفاءة والاستحقاق، في غياب تخطيط استباقي أو تنسيق مؤسساتي فعال. إنها صورة مصغرة لإفلاس الحكامة المحلية في قطاع يُفترض أنه أولوية وطنية.
نقص الأطر الإدارية جعل مديرين يدبرون أكثر من مؤسسة في الوقت نفسه، فيما كُلّف بعض أطر الدعم الاجتماعي والاقتصادي بمهام خارج تخصصاتهم. هذا الارتباك الإداري انعكس على سير المؤسسات وعلى جودة الحياة المدرسية.
المديرية الإقليمية، بدورها، تُواجه اتهامات بضعف التواصل وغياب الرؤية منذ تعيين مدير إقليمي من خارج المنطقة، في وقت يحتاج فيه الإقليم إلى قيادة قريبة من الميدان قادرة على الإصغاء للمشاكل الفعلية.
الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بطنجة–تطوان–الحسيمة لم تسلم بدورها من الانتقادات، فبدل الانخراط في مقاربة تشاركية حقيقية، ما تزال تُصدر قرارات فوقية دون تشاور مع الفاعلين المحليين.. النتيجة: تضارب في التدبير، غياب الانسجام، وفقدان الثقة بين المستويات الجهوية والإقليمية.
العاملون في المؤسسات التعليمية يعيشون ظروفًا صعبة، خصوصًا في المناطق الجبلية التي تفتقر إلى النقل المدرسي والنوادي الثقافية. أما السكنيات الوظيفية، فملفها عنوان صارخ للريع الإداري، إذ لا تزال عشرات السكنيات محتلة دون وجه حق، فيما يُترك الأساتذة الجدد دون سكن لائق.
وسط هذا المشهد القاتم، تبقى مؤسسة التفتح الفني والأدبي بالحسيمة نقطة ضوء نادرة، بفضل مجهودات مؤطريها وأنشطتها الثقافية والفنية المتميزة، لكن هذا الإشعاع مهدد بالانطفاء أمام جمود إداري وانغلاق في التسيير يحد من حرية الإبداع والمبادرة.
وفي الأخير، يمكن القول أن الدخول المدرسي في الحسيمة يختزل مفارقة الإصلاح المغربي: نصوص مشرقة وواقع مرتبك، وبين وعود “مدرسة الإنصاف والجودة” وواقع البنيات المتهالكة والتسيير الارتجالي، تتبدد الثقة في الإصلاح، ويتآكل الأمل في المدرسة العمومية.
وربما حان الوقت ليُدرك القائمون على القطاع أن الإصلاح لا يبدأ من الخطط والمذكرات، بل من الصدق في الإرادة والجرأة في المحاسبة، فالتلميذ المغربي لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى مدرسة نظيفة، أستاذ مستقر، وإدارة منفتحة تعرف أن التعليم ليس قطاعًا إداريًا، بل قضية وطنية مصيرية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *