القراءة مع ‘ بوكماخ ‘ لم تكن مجرد كلمات، بل كانت موسيقى تهزّ الروح، وضوء ينير دروب الخيال ونسيم يعيدنا إلى لحظات الطفولة السعيدة.

أريفينو / 30 نوفمبر 2025

بقلم // الدكتور : الحسن بلعربي.

عندما كنت طفلاً، مثل باقي أقراني، لم تكن لدي كتب سوى تلك التي تُفرض علينا خلال دراستنا الابتدائية، ولحسن الحظ، كانت كتب أحمد بوكماخ حاضرة في حياتي، كنافذة صغيرة على عوالم واسعة لم أكن أتصورها.

قصص مثل “أحمد والعفريت”، “زوزو يصطاد السمك”، “سروال علي”، “أكلة البطاطس” و”الثرثار ومحبّ الاختصار” لعبت دورًا بارزًا في إثراء خيالي.

كل ليلة، على طاولة غرفة الجلوس، كنت أفتح أحد كتبه وأغوص في قصصه من أول صفحة، أعيش مغامرات شخصياته، وأشعر بكل لحظة وكأنني أشاركهم رحلاتهم وأحلامهم حتى يقترب موعد العشاء.

كنت أقرأ تحت ضوء مصباح الغاز الصغير، ضوء دافئ يخفت تدريجيًا، يسلط وهجه على الصفحات ويضفي على الكلمات سحرًا خاصًا، وكأن كل حرف ينبض بالحياة. حينها، كنت أضطر إلى إغلاق الكتاب مؤقتًا لأتناول الطعام، وبخار الصحون يتصاعد نحو السماء، كأنه يرافق الكلمات والذكريات التي تركتها على الصفحات ويتسلل إلى روحي.

وبعد العشاء، كنت أعود إلى الكتاب، أواصل رحلتي بين الحروف والكلمات، أتنقل بين أماكن وشخصيات جديدة، وأعيش لحظات من الفرح والتوتر والاكتشاف، حتى يثقل النعاس جفوني، فتُغمِض عيناي وأنا أحمل معي عوالم جديدة وشخصيات صارت جزءًا من حلمي وذاكرتي، كأن كل صفحة من صفحات كتبه قد نسجت لي حياة كاملة داخل خيالي.

مرت السنين، وغزا الشيب مفرقي، ومرت على مكتبي ورفوفي مئات الكتب، من الروايات الكلاسيكية إلى المؤلفات العلمية والفلسفية، وقرأت عشرات العناوين التي حاولت أن تُشبع فضولي وتوسع مداركي.

ومع كل هذا الكمّ من الورق والحبر، بقيت كتب أحمد بوكماخ دائمًا رفيقًا للروح، كما لو كانت جزءًا من نفسي لم تفارقني. كانت تسافر معي في ذهني إلى كل البقاع التي أحط فيها الرحال، وتذكرني دومًا ببساطة الطفولة ودهشة الاكتشاف الأول للكلمات والمعاني، وبقدرة القلم على فتح أبواب عوالم لا تُعد ولا تُحصى.

وفي لحظات الصمت، بينما تهدأ الأصوات حولي، أجد نفسي أغوص في تلك الصفحات القديمة، كأنني أستعيد جزءًا من طفولتي، وأحمل معي ذكريات الرحلات الصغيرة التي صنعتها الكتب لي.

رحم الله معلمنا الأول أحمد بوكماخ، وبارك في الأجيال التي تربت على يديه، فقد ترك إرثًا من الحنين والمعرفة، وفتح لنا نوافذ على الحياة لم نكن لنكتشفها من دون كلماته وأحلامه.

أصبح الكتاب صديقًا دائمًا ورفيقًا لا يغادر، يحفظ في طياته عبق الطفولة ودفء الذكريات، ويستمر في الإلهام حتى بعد مرور السنين. وكل صفحة منه كانت كنافذة مشرعة على عوالم بعيدة، تحمل في طياتها ألوان الفرح، أصوات الضحكات وروائح الغابات والأسواق البعيدة، فتجعل القلب يحلم والعقل يتأمل.

القراءة معه لم تكن مجرد كلمات، بل كانت موسيقى تهزّ الروح، وضوء ينير دروب الخيال، ونسيم يعيدنا إلى لحظات الطفولة السعيدة. وهكذا، يظل إرث أحمد بوكماخ حيًّا في كل جيل يقرأ كتبه، يغذي خيالنا، ويذكرنا بأن لكل كلمة قوة، ولكل حلم بداية، ولكل كتاب صديق لا يغادرنا أبدًا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *