بين التوقيت المستمر واحترام زمن العمل: هل آن الأوان لإصلاح عاداتنا داخل الإدارة؟


أريفينو : 28 نوفمبر 2025
بقلم نورالدين البركاني
تُعدّ الإدارة العمومية واجهة الدولة، وصورتها المباشرة أمام المواطنين. وكل خللٍ في احترام الزمن الإداري ينعكس مباشرة على جودة الخدمات، وعلى ثقة المواطن في مؤسساته. وفي السنوات الأخيرة، تعالت أصوات كثيرة تنتقد بعض السلوكات المتكررة داخل الإدارات، خاصة تلك المرتبطة بعدم احترام توقيت العمل و الابتعاد عن ثقافة الانضباط.
رغم اعتماد التوقيت المستمر في عدد من الإدارات، إلا أن المشكل الحقيقي لا يكمن في نوع التوقيت، بل في غياب الالتزام به. حيث يُلاحظ:
*عدم الالتحاق بالعمل في الوقت المحدد صباحاً.
*التأخر المتكرر في العودة بعد فترة الاستراحة.
*مغادرة مقر العمل نحو المنازل لتناول وجبة الغذاء، وهي عادة تستغرق لدى كثيرين أكثر من ساعتين.
*الأسوأ أن نسبة مهمة من الموظفين لا تعود أصلاً إلى العمل بعد الغذاء، مما يترك الشبابيك والمصالح مغلقة، ويحرم المواطنين من خدماتهم الأساسية.
هذه السلوكات ليست مجرد تفاصيل بسيطة، بل هي عقبات حقيقية أمام أداء إداري فعّال.
إن ضياع ساعات العمل ليست مشكلة للموظف فقط، بل مشكلة تمسّ مئات المواطنين يومياً.
هناك من يسافر 50 كلم أو 100 كلم ليصل إلى الإدارة لقضاء غرض بسيط. ثم يفاجأ بأن الموظف غير موجود، أو أن المصلحة مغلقة خلال فترة الغذاء الطويلة. فيعود إلى منزله دون نتيجة، ويضطر في الغالب للعودة مرة أخرى. وهذا يعني غياباً عن عمله، وتكاليف إضافية في النقل، وإرهاقاً نفسياً وجسدياً.
إنها مشاهد تتكرر يومياً وتخلق فجوة كبيرة بين المواطن والإدارة، وتشعره بأن الزمن الإداري لا يُقدَّر حقّ قدره.
في العديد من الدول التي تقدر قيمة الوقت – من أوروبا إلى آسيا – يعتمد الموظفون ممارسات بسيطة لكنها فعالة:
*اصطحاب وجبة غذاء خفيفة أو ساندويش من المنزل.
*تناولها داخل أماكن خاصة في مقر العمل.
*احترام دقيق لفترة الاستراحة: لا تتعدى 30 دقيقة أو 45 دقيقة.
*عدم مغادرة مقر العمل خلال أوقات الذروة.
هذه الممارسات ليست ترفاً، بل ثقافة تحترم الوقت، والمواطن، والمال العام.
الذهاب إلى المنازل وسط النهار لا يخلق فقط تأخراً في الخدمات، بل يؤدي إلى:
* ازدحام مروري كبير في ساعات محددة.
*ارتفاع استهلاك الوقود وزيادة النفقات على الأسر.
*زيادة التلوث نتيجة كثافة السيارات.
*توتر وحوادث سير بسبب السرعة والرغبة في العودة قبل نهاية الاستراحة.
*ضياع نصف اليوم بين الذهاب والإياب.
إنها سلسلة مترابطة من الأضرار، تتجاوز جدران الإدارة، لتصل إلى المجتمع والاقتصاد والبيئة.
الحل الجذري لهذا الإشكال لا يقوم فقط على تغيير العادات، بل على تغيير نمط تقديم الخدمات… الرقمنة هي المفتاح الحقيقي
عندما تُصبح خدمات الإدارة مقدّمة عن بعد:
*لن يحتاج المواطن للسفر لمسافات طويلة.
*لن ينتظر موظفاً غير موجود.
*لن تتعطل مصالحه بسبب فترة غداء أو غياب غير مبرر.
*ستتم المعاملات بسرعة، بدقة، وبأقل التكاليف.
الدولة كذلك ستربح:
*تخفيف الضغط على الإدارات.
*تقليص الطوابير والاكتظاظ.
*الحد من الفساد الصغير المرتبط بالانتظار.
*رفع جودة الخدمات.
*رفع مؤشرات النمو عبر تسريع الوثائق والمعاملات للمواطنين والمقاولات.
إن احترام توقيت العمل ليس مسألة إدارية فقط، بل قيمة حضارية تعكس مدى احترامنا للدولة وللمواطن ولأنفسنا. ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون:
- التزام صريح بالعمل واحترام الزمن الإداري.
- تغيير العادات السلبية المرتبطة بفترات الغذاء الطويلة.
- تسريع ورش الرقمنة باعتباره الحل الأمثل لخدمة المواطن والدولة.
إن بناء إدارة حديثة لا يحتاج فقط إلى قوانين، بل إلى وعي جماعي يدرك قيمة الوقت.
فلا تنمية دون إدارة فعّالة، ولا إدارة فعّالة دون موظف ملتزم، ولا مواطن محترَم دون خدمات رقمية تليق بكرامته.
الوقت ثروة وطنية… فلنحسن استغلاله
يكتبها الدكتور :نورالدين البركاني





