تعادل المغرب مع مالي… قراءة هادئة خارج منطق القلق

أريفينو : 28 دجنبر 2025

تعادل المنتخب المغربي مع نظيره المالي في الجولة الثانية من دور المجموعات لكأس أمم إفريقيا ليس حدثًا استثنائيًا بحد ذاته، بقدر ما هو محطة طبيعية في مسار بطولة طويلة تُحسم بتفاصيلها في الأدوار المتقدمة، لا في نتائجها المبكرة.

مباراة التفاصيل لا الانطباعات

دخل المنتخب المغربي المواجهة وهو يدرك طبيعة المنافس: منتخب قوي بدنيًا، منظم دفاعيًا، ويجيد اللعب على التحولات السريعة. لذلك، لم تكن المباراة سهلة أو مفتوحة، بل اتسمت بطابع تكتيكي واضح، حيث حاول المغرب فرض أسلوبه عبر الاستحواذ وبناء اللعب، بينما راهن منتخب مالي على الانضباط الدفاعي واستغلال الأخطاء.

تقدم المغرب في النتيجة، لكنه لم ينجح في قتل المباراة، وهو ما منح مالي فرصة العودة، لتتحول الدقائق المتبقية إلى صراع ذهني أكثر منه فني.

ما الذي قاله التعادل فعليًا؟

بعيدًا عن القراءة السطحية للنتيجة، كشفت المباراة عن اختلالات فنية وتكتيكية تستحق الوقوف عندها بهدوء ومسؤولية.

أولى هذه الملاحظات تتعلق بـ محور الدفاع. ثنائية أكرد واليَاميق لم تُظهر الانسجام المطلوب، خاصة في التعامل مع الرقابة الفردية والتحركات المباشرة للمهاجمين. تهور الياميق في بعض التدخلات كلّف المنتخب كثيرًا، وكان أبرزها التسبب في ضربة الجزاء التي عاد بها منتخب مالي في النتيجة، ما يسلّط الضوء على صعوبة تعامله مع الرقابة الفردية والضغط داخل المنطقة.

ثانيًا، برز الجمود التكتيكي كإشكال واضح. المدرب وليد الركراكي حافظ على خطة واحدة شبه ثابتة، دون تكييف حقيقي مع تغيير أسلوب الخصم أو تطورات المباراة، الأمر الذي سهّل على منتخب مالي قراءة اللعب والحد من فعالية المغرب مع مرور الوقت.

كما لم تكن التغييرات موفّقة في قراءة كثير من المتابعين. إخراج إبراهيم دياز في وقت مبكر حرم المنتخب من أحد أبرز مفاتيح اللعب في المباراة، خصوصًا أنه كان مميّزًا في الاختراق، والمشاكسـة بين الخطوط، وخلق اللعب وصناعة الحلول الفردية. خروجه أضعف الدينامية الهجومية، وجعل اللعب أكثر توقعًا في توقيت كانت فيه المباراة بحاجة إلى لاعب قادر على كسر النسق لا تقليصه.

ثالثًا، عانى المنتخب من خلل في توظيف الأدوار الهجومية. غياب جناح يلعب في مركزه الطبيعي مثل عبد الصمد الزلزولي حرم الفريق من السرعة والاختراق على الأطراف، في مقابل الإصرار على إشراك صيباري كجناح رغم كونه لاعب وسط، ما أفقد المنظومة الهجومية التوازن والنجاعة المطلوبة.

كما يطرح التعادل مجددًا تساؤلات حول سياسة اختيار اللاعبين. إصرار الطاقم التقني على استبعاد بعض العناصر الجاهزة بدعوى صغر السن أو قلة التجربة، مقابل الاعتماد على أسماء لم تُقدّم الإضافة المنتظرة، يفتح باب النقاش حول الحاجة إلى ضخ دماء جديدة قادرة على تقديم حلول فورية في مباريات من هذا النوع.

التعثر الثاني… عادة لا تعني النهاية

ليس جديدًا على المنتخب المغربي أن يتعثر في المباراة الثانية خلال البطولات الكبرى، ومع ذلك غالبًا ما يكون هذا التعثر جزءًا من مسار تصاعدي ينتهي بنتائج إيجابية. التجارب القريبة تؤكد أن البداية غير المثالية لم تكن يومًا مرادفًا للإقصاء، بل أحيانًا كانت نقطة ضبط إيقاع قبل الانطلاق الحقيقي.

ما المطلوب في المرحلة القادمة؟

المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى تغييرات جذرية بقدر ما تحتاج إلى:

إعادة تقييم اختيارات محور الدفاع.

مرونة تكتيكية أكبر حسب طبيعة الخصم.

وضوح في الأدوار الهجومية واستغلال أفضل للأطراف.

المغرب يملك الأدوات، ويملك الخبرة، لكن البطولة لا ترحم من يكرر نفس الأخطاء.

خاتمة

في هذه المرحلة بالذات، لا يحتاج المنتخب المغربي ولا مدربه إلى مزيد من الضغط بقدر ما يحتاجان إلى مساندة واعية ونقد موضوعي. البطولات القارية لا تُدار بردود الفعل، ولا تُحسم تحت وطأة الانفعال أو العناوين المثيرة.

التعثر وارد في بطولة متواصلة الإيقاع مثل كأس أمم إفريقيا، خصوصًا وأن المنتخب المغربي بات شبه متأهل إلى الدور القادم، وما زال يمتلك هامشًا للتصحيح داخل المنافسة نفسها. التعامل الهادئ مع هذا التعادل، وفهم أسبابه الفنية والتكتيكية، يظل أكثر فائدة من تحويله إلى أزمة مفتوحة.

أما الحديث عن تغيير المدرب أثناء البطولة، فليس حلًا، بل مجازفة قد تعمّق الإرباك بدل معالجته. الاستقرار الفني في هذه اللحظات الحساسة ضرورة، والمحاسبة مكانها بعد نهاية المسار، لا في منتصفه.

دعم المنتخب اليوم لا يعني تبرير الأخطاء، بل تفكيكها بعقلانية، والإيمان بأن هذه المجموعة قادرة على تصحيح المسار إذا وُفّر لها الحد الأدنى من الهدوء والثقة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *