جزائر الشعارات والتهديدات الكوميدية تنحني وتعود للتطبيع مع إسبانيا دون أن تغيّر مدريد موقفها من الصحراء

أريفينو / 26 نوفمبر 2025
بعد أكثر من 19 شهراً من التوتر غير المسبوق بين الجزائر وإسبانيا، بسبب إعلان مدريد دعمها الرسمي والعلني لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي كحل جدي وواقعي لنزاع الصحراء المفتعل، وجدت الجزائر نفسها مضطرة إلى العودة التدريجية لمسار التطبيع مع الحكومة الإسبانية دون أن تحصل على التراجع الذي كانت تشترطه منذ مارس 2022.
فقد سارعت الجزائر حينها إلى استدعاء سفيرها، وتعليق معاهدة الصداقة، وفرض قيود على المبادلات التجارية، في محاولة واضحة للضغط على مدريد وإجبارها على تغيير موقفها من الصحراء المغربية. غير أن الحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز ووزير خارجيته خوسيه مانويل ألباريس ظلت ثابتة على موقفها، معتبرة مقترح الحكم الذاتي المغربي الحل الأكثر واقعية وأماناً، ورفضت الانصياع لأي ضغط سياسي أو اقتصادي.
ومع مرور الوقت، اتّضح للجزائر أن سياسة التصعيد لم تحقق أي نتيجة، وأن إسبانيا لن تعدل موقفها قيد أنملة، وهو ما دفعها، ابتداءً من نهاية سنة 2023، إلى التراجع عن نهج القطيعة والعودة التدريجية إلى التواصل. وقد تجسد ذلك في إعادة السفير الجزائري إلى مدريد بتعيين عبد الفتاح دغمون، ثم في سلسلة من اللقاءات بين وزيري الخارجية في البلدين.
وفي هذا السياق، جاء اللقاء الأخير بين وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس ونظيره الجزائري أحمد عطاف في جوهانسبورغ على هامش قمة العشرين، حيث احتفى ألباريس وفق ما نقلته وكالة “أوروبا بريس” بـ”العلاقات الممتازة” بين البلدين، مؤكداً العمل على تعزيز العلاقات السياسية والتجارية والثقافية لما يخدم مصالح الشعبين. وهو تصريح يكشف بوضوح أن إسبانيا تستعيد علاقاتها مع الجزائر من موقع قوة وثبات، لا من موقع تنازل أو تراجع.
حتى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون اضطر في وقت سابق إلى الانحناء والقبول بالأمر الواقع، والاعتراف بأن العلاقات مع إسبانيا “تعود تدريجياً إلى طبيعتها”، بعد “فترة فتور”، في اعتراف ضمني بأن الجزائر عادت إلى طاولة العلاقات الثنائية دون أن تحصل على ما كانت تشترطه أساساً لعودة العلاقات، وهو “تراجع مدريد عن الاعتراف بمغربية الصحراء ودعم الحكم الذاتي المغربي”.
الواقع اليوم يشير إلى معادلة واضحة، وهي أن إسبانيا لم تتراجع عن موقفها، ولم تغير دعمها لمغربية الصحراء، بل عززته. وفي المقابل، وجدت الجزائر نفسها أمام خيار واحد بعد استنزاف كل أدوات الضغط، العودة إلى علاقات طبيعية دون أي مقابل سياسي، وهو ما يعتبره مراقبون دليلاً إضافياً على فشل دبلوماسية نظام العسكر المبنية على الشعارات والتهديدات الكوميدية، وفشل سياسة التصعيد التي انتهجتها الجزائر، وعلى نجاح الدبلوماسية الإسبانية في إدارة هذا الملف بصبر وثبات وحكمة.





