“زكزل الشرق” تستعيد نبضها.. مغارة الجمل تفتح نوافذ الأمل في زمن التغير المناخي ..

أريفينو : 09 يناير 2026

بعد سنوات من الجفاف، استعادت مغارة الجمل، الواقعة في حضن جبال زكزل بإقليم بركان، نبضها الطبيعي مع أولى زخات المطر والثلوج التي تساقطت على المنطقة، حيث عادت المياه لتتدفق من بين الصخور، معلنة عن ولادة جديدة لمعلم طبيعي ظل لسنوات طويلة قبلة لعشاق الطبيعة والباحثين عن الهدوء في حضن جبال بني يزناسن.

وشكلت عودة المياه إلى المغارة حدثا استثنائيا بالنسبة للساكنة المحلية، التي عايشت فصول الجفاف القاسية، إذ يقول الحاج مصطفى، أحد سكان دوار زكزل المجاور ل”العمق”، “لم نر المغارة جافة بهذا الشكل من قبل، حيث كانت دائما تنبض بالحياة، وكان توقف المياه صدمة لنا جميعا”، قبل أن ويضيف: “اليوم، حين عدت وسمعت صوت الماء من جديد، شعرت وكأن الجبل نفسه عاد إلى الحياة”.

ومع هذا التحول الطبيعي، بدأت المنطقة تشهد توافدا للزوار، من داخل الإقليم وخارجه، مستبشرين بعودة الحياة إلى هذا المعلم الطبيعي الذي ظل لسنوات طويلة متنفسا بيئيا وسياحيا لسكان جهة الشرق.

ولعل ما يميز مغارة الجمل عن غيرها من المواقع الطبيعية، هو بعدها التاريخي والجيولوجي العميق، إذ أنه بعمق يقارب 80 مترا وتكوينات صخرية فريدة، تعد من أبرز مواقع علم الكهوف بالمغرب. وقد صنفتها المندوبية السامية للمياه والغابات تراثا وطنيا منذ سنة 1951، لما تحتويه من نقوش حجرية تعود إلى أكثر من 12 ألف سنة، كونها تعد من أقدم الشواهد الفنية في شمال إفريقيا.

إلى جانب ذلك، تجاور المغارة معالم أثرية أخرى لا تقل أهمية، أبرزها مغارة الحمام التي تبعد عنها بحوالي 3 كيلومترا، وهي التي عثر فيها على أقدم جينات بشرية في إفريقيا، وأقدم حلي في العالم، فضلا عن آثار أول عملية جراحية على رأس الإنسان في التاريخ. كل هذه الاكتشافات تعزز من القيمة العلمية والثقافية للمنطقة، وتجعل منها متحفا مفتوحا في الهواء الطلق.

وبالعودة إلى الحاضر، فإن عودة المياه إلى المغارة أنعشت آمال الفاعلين المحليين في استعادة الزخم السياحي الذي عرفته المنطقة في سنوات سابقة. يقول يوسف، مرشد سياحي محلي: “خلال فترة الجفاف، تراجع عدد الزوار بشكل كبير، لكن منذ بداية يناير، بدأنا نلاحظ عودة تدريجية للرحلات العائلية ومحبي الطبيعة”.

ويضيف: “الناس يأتون للاستمتاع بالمشهد الطبيعي، لكنهم أيضا يبحثون عن الهدوء، عن لحظة تأمل في حضن الجبل، عن ذاكرة تربطهم بالمكان”. ويؤكد أن المغارة تحتاج إلى تثمين حقيقي، يشمل البنية التحتية، والترويج، والتأطير البيئي.

في موازاة ذلك، لا تقتصر ثروة زكزل على مغاراتها، بل تمتد إلى تنوعها البيئي والزراعي. فالمنطقة تشتهر بإنتاج فاكهة “المزاح” (الزعرور)، التي تعد رمزا للصمود في وجه شح المياه، وتعرف بقيمتها الغذائية العالية. كما تساهم تربية النحل وإنتاج العسل في دعم الاقتصاد المحلي، ما يفتح آفاقا لتطوير سياحة بيئية قائمة على التثمين الذكي للموارد.

وتقول فاطمة، أستاذة من بركان: “نحن لا نأتي فقط لرؤية المغارة، بل لنعيش تجربة متكاملة: المشي في الغابة، تذوق العسل المحلي، وشراء المزاح من الفلاحين. إنها رحلة في الطبيعة والذاكرة”.

ورغم هذه المؤهلات، لا تزال مغارة الجمل تفتقر إلى بنية تحتية سياحية متكاملة. فلا توجد علامات إرشادية كافية، ولا مسارات مؤمنة، ولا فضاءات للشرح أو التأطير البيئي. ويؤكد فاعلون محليون أن تثمين الموقع يتطلب رؤية مؤسساتية مندمجة، تربط بين الحفاظ على التراث الطبيعي وتطوير العرض السياحي.

وفي هذا الصدد، يقول عبد الكريم، فاعل جمعوي من المنطقة: “نحتاج إلى تدخل حقيقي من الجهات المعنية. المغارة كنز، لكنها لا تزال مهمشة. يجب أن تتحول إلى فضاء للتعلم، للبحث، وللسياحة المستدامة”.

فعودة المياه إلى مغارة الجمل ليست مجرد حدث طبيعي عابر، بل لحظة رمزية تجسد العلاقة العميقة بين الإنسان والمكان، وهي دعوة للتأمل في قدرة الطبيعة على التجدد، وفي مسؤولية الإنسان في صون ذاكرته البيئية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *