في زمن الرقمنة… كل كلمة محسوبة وكل تصرف مراقب..

أريفينو / 28 يناير 2026
✍️ د.نورالدين البركاني..

لم يعد العالم كما كان قبل سنوات. لقد أصبح اليوم من السهل جدًا التعرف على الأشخاص الذين يحملون أفكارًا هدامة أو يتبنون خطابًا متطرفًا أو سلوكًا عدائيًا تجاه المجتمع والدولة. فبفضل التطور الهائل في التكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، باتت الدول والمؤسسات قادرة على تتبع المحتوى المنشور على المنصات الاجتماعية، وربط المعطيات، وبناء ملفات دقيقة حول الأفراد.
ما يكتبه الإنسان اليوم على هاتفه، أو ينشره على صفحته، أو يقوله في مقطع فيديو، لم يعد يختفي في الفضاء الافتراضي… بل يبقى محفوظًا، قابلًا للأرشفة، والتحليل، والاسترجاع في أي لحظة.
ولهذا، يجب على الشباب والمواطنين بصفة عامة أن يدركوا حقيقة بسيطة لكنها عميقة الأثر:
كتاباتكم، تدويناتكم، تعليقاتكم، صوركم، مواقفكم، وحتى مزاحكم… كلها أصبحت مرئية للعالم.
لم يعد الأمر مجرد “حرية تعبير” داخل فضاء مغلق، بل أصبح جزءًا من سجل رقمي عالمي يمكن أن يؤثر مباشرة على مستقبلك المهني، وعلى فرص السفر، وعلى مشاريعك الاستثمارية، بل وحتى على ولوجك لبعض الفضاءات أو التظاهرات الدولية.
اليوم، كلمة غير محسوبة قد تؤدي إلى:
🔹رفض طلب تأشيرة.
🔹المنع من دخول بلد معين.
🔹تعطيل مشروع تجاري أو مهني.
🔹الإقصاء من وظيفة أو منحة دراسية.
🔹المنع من ولوج ملاعب أو فعاليات كبرى.
🔹أو إدراج الاسم في قوائم المراقبة.
وهذه ليست مبالغات، بل وقائع تعيشها آلاف الحالات حول العالم.
في مجال السفر، أصبحت “البصمة الرقمية” عنصرًا أساسيًا في قرارات منح التأشيرات. فعدة دول كبرى، مثل الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا، تطلب من بعض طالبي التأشيرة الإفصاح عن حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتم تحليل المحتوى المنشور بحثًا عن أي مؤشرات للتطرف أو العنف أو الإساءة.
وقد سُجّلت حالات عديدة لأشخاص رُفضت طلبات دخولهم أو أُلغيت تأشيراتهم بسبب منشورات قديمة، أو تعليقات ساخرة أُسيء فهمها. أحيانًا، صورة واحدة أو جملة غير محسوبة كفيلة بتغيير مسار رحلة أو إجهاض مشروع سفر كامل.
في الرياضة والتوظيف: الموهبة وحدها لم تعد كافية
حتى في عالم الرياضة، لم تعد المهارة وحدها معيار النجاح. فقد تم إقصاء لاعبين من منتخبات وطنية أو أندية كبرى بسبب منشورات عنصرية أو سلوك رقمي غير مسؤول. كما أُلغيت عقود رعاية وإشهار لرياضيين وفنانين بعد إعادة تداول محتويات قديمة تعود لسنوات.
وفي سوق الشغل، أصبحت الشركات تفحص حسابات المرشحين قبل التوظيف. كثير من الشباب فقدوا فرص عمل واعدة فقط لأن صفحاتهم كانت مليئة بخطاب الكراهية، أو صور غير لائقة، أو تعليقات مسيئة.
اليوم، السيرة الذاتية لا تبدأ من الشهادة… بل من الهاتف.
رسالة مباشرة إلى الشباب: مستقبلك يُكتب بتدوينة.
إلى شبابنا خاصة:
أنتم تعيشون في زمن الفرص المفتوحة، لكن أيضًا في زمن المراقبة الرقمية.
كل منشور تضعه، كل تعليق تكتبه، كل فيديو تشاركه، قد يعود إليك يومًا ما… إما كفرصة، أو كعقبة.
🔹لا تجعل لحظة غضب، أو رغبة في “البوز”، أو تقليدًا أعمى، تدمّر سنوات من الطموح.
🔹فكّر قبل أن تكتب.
🔹راجع كلامك قبل أن تنشره.
🔹لا تنجرّ وراء خطاب الكراهية أو الاستفزاز.
🔹احترم القانون حتى في العالم الافتراضي.
🔹اجعل صورتك الرقمية مشرّفة لك ولوطنك.
🔹تذكّر دائمًا: الإنترنت لا ينسى.
في عصر الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، لم يعد الإنسان يُقيَّم فقط بشهاداته، بل أيضًا بتدويناته.
ومن لم يحسن إدارة حضوره الرقمي، قد يدفع ثمنًا باهظًا في حياته الواقعية.
كن مواطنًا واعيًا، رقميًا وأخلاقيًا… فمستقبلك قد يُبنى أو يُهدم بكلمة.
✍️ د.نورالدين البركاني..





