ماتت القطة..وكانت الجنازة بسيطة، لكنها تركت أثرًا عميقًا..

أريفيتو : 23 نوفمبر 2025
يكتبها ابن الناظور// الدكتور : الحسن بلعربي
كان اليوم أحدًا، والسوق الأسبوعي يعج بالحياة: ضجيج الباعة، صراخ الأطفال، وهمهمات النسوة حول أسعار الخضر، كل شيء يوحي بيوم عادي في قرية اعتادت إيقاع الحياة البسيطة.
وفجأة، وسط الزحام، اخترق الأجواء صوت جَهْوَرِي صادر من مكبر صدئ:
“يا أهل القرية، البركة في راسكم… القطة ماتت. الجنازة مساء اليوم.”
ساد صمت للحظات. توقف البعض عن المساومة، وانخفضت الأعين، وغرقت السوق في همهمة حزينة. لم تكن القطة مجرد حيوان يتسكع بين الأزقة أو يلاحق الفئران في المخازن، بل كانت أسطورة قروية، بطلتها حكاية تُروى عند المدافئ وفي الليالي الطويلة.
قبل أعوام، حين أنجبت الأرض محصولًا وفيرًا من البطاطس، واجهت القرية أزمة غريبة: الأطفال رفضوا أكل البطاطس.
كانت أم أحد الصبيان قد قرأت في كتب أحمد بوكماخ حكاية “أكلة البطاطس”، وقررت أن تطبقها مع ولدها حين أصر على رفض الطعام.
قالت له بهدوء:
“كُل البطاطس يا بني.”
هزّ رأسه بعناد، فتنهّدت الأم وبدأت اللعبة كما في الحكاية القديمة:
نادَت العصا قائلة: “اضربيه!”
لكن العصا ظلت ساكنة.
استدعت النار: “احرقي العصا!”
اشتعلت قليلاً، ثم تراجعت قائلة: “لن أفعل.”
طلبت من الماء أن يخمد النار، فتراجع إلى الوراء.
خاطبت البقرة: “اشرَبي الماء!”
رفعت البقرة رأسها ورفضت.
توجهت إلى السكين: “اذبح البقرة!”
اهتز نصله واعتذر.
نادَت الحداد ليكسر السكين، فقال: “لا شأن لي بهذا.”
توسّلت إلى الحبل ليشنق الحداد، فامتنع.
وأخيرًا، نادت الفأر، فارتد خائفًا.
ثم قالت بصوت حازم: “يا قطة!”
قفزت القطة دون تردد وقالت: “أنا آكل الفأر.”
ارتعش الفأر وامتثل، فامتثل الحبل، ثم الحداد، فالسكين، فالبقرة، فالماء، فالنار، فالعصا…
نظر الطفل إلى المشهد، فذاب عناده، وتنهد قائلاً:
“سآكل البطاطس.” وأكلها.
ومنذ ذلك اليوم، سار كل أطفال القرية على مثاله، وأصبحوا يأكلون البطاطس بلا تردد. وبدأت معجزة البطاطس: نما الأطفال، اشتدّت عضلاتهم، وتوقدت أذهانهم، صاروا يتعلّمون أسرع، ويلعبون أقوى، ويحلمون أبعد.
كانت البيوت تمتلئ ضحكًا عند الصباح، وتزدهر الحقول بظلالهم وهم يركضون بين الأخاديد، حتى المعلّم في المدرسة تعجّب من ذكائهم وشغفهم بالاكتشاف.
ومضت الأعوام، فأصبح هؤلاء الصغار شبابًا أقوياء، بُناة مستقبل ما كانوا ليبلغوه لولا تلك الوجبة التي رفضوها أول الأمر… ولولا تلك القطة التي أعادت ترتيب العالم لهم.
اليوم، ماتت القطة.
وكانت الجنازة بسيطة، لكنها تركت أثرًا عميقًا: كبار السن نكسوا رؤوسهم، الأطفال وضعوا الزهور على الحفرة، وأمهات من الزمن القديم يهمسن بالامتنان في صمت.
لكن في زاوية مهملة من زريبة قديمة، كانت تدور حفلة صاخبة، وضحكات الفئران تملأ المكان. قفزوا، رقصوا، دوّت أقدامهم على الأرض، وطارت فرحتهم في الهواء كأوراق الخريف المتناثرة، وكأن العالم كله احتفل معهم.






