وداعًا 2025… من الاحتجاج إلى الفرح الجماعي

أريفينو : 30 دجنبر 2025

م تكن الأسابيع الأخيرة من سنة 2025 مجرد خاتمة زمنية، بل بدت مرآة مكثفة لعامٍ ثقيل بالأحداث، متسارع الإيقاع، عميق الدلالات. سنة اختبرت قدرة المجتمع والدولة على التفاعل مع التحولات، وطرحت أسئلة جوهرية حول التدبير، والجاهزية، والإنصات.

مع نهاية شتنبر، دخلت السنة منعطفًا اجتماعيًا لافتًا، حين خرج جيل Z إلى الواجهة عبر احتجاجات شبابية غير مسبوقة في خطابها وأدواتها. مطالب واضحة رُفعت، في مقدمتها تجويد خدمات الصحة والتعليم، باعتبارهما أساس الكرامة الاجتماعية لا امتيازًا مؤجلًا. لم يكن هذا الحراك عابرًا، بل كشف تحولًا في الوعي الجماعي، وانتقالًا من منطق الانتظار إلى منطق المساءلة، ومن الصبر الطويل إلى المطالبة المباشرة بسياسات عمومية أكثر عدلًا ونجاعة.

وفي 19 أكتوبر، تغيّر المزاج العام من التوتر إلى الفرح، بعد تتويج المنتخب المغربي للشباب بكأس العالم التي احتضنتها الشيلي. إنجاز رياضي تجاوز بعده التقني، ليغدو لحظة وطنية جامعة أعادت الثقة في الاستثمار في الشباب، وفي قدرتهم على تمثيل المغرب بأفضل صورة في المحافل الدولية.

لم تمضِ سوى أيام حتى تعزز هذا الزخم الإيجابي بمكسب دبلوماسي وازن، تمثل في صدور القرار الأممي رقم 2797 عن مجلس الأمن بشأن الصحراء المغربية، قرار كرّس منطق الواقعية السياسية، وعزّز موقع المغرب داخل المسار الأممي، مؤكّدًا مرة أخرى مركزية القضية الوطنية .

ومع دخول شهر دجنبر، وتحديدًا في الثاني منه، تفجّر جدل واسع عقب تسريبات لجنة الأخلاقيات داخل المجلس الوطني للصحافة، أعادت إلى الواجهة أسئلة أخلاقيات المهنة، وحدود الشفافية، واستقلالية مؤسسات التنظيم الذاتي، وطرحت مجددًا إشكالية الثقة في الإعلام ودوره داخل المجتمع.

وبالتوازي مع هذا الجدل، عادت الفواجع لتفرض نفسها بقوة. انهيار عمارة سكنية أعاد طرح ملف البنايات الآيلة للسقوط، وكشف كلفة التدخل المتأخر وغياب المراقبة الاستباقية. ثم جاءت فاجعة فيضان واد الشعبة بمدينة آسفي لتعمّق الإحساس بالهشاشة، وتبرز محدودية منطق الوقاية في مواجهة مخاطر طبيعية باتت أكثر تكرارًا وحدة.

وفي خضم هذا الواقع المثقل، تزامنت لحظات الألم مع ومضات فرح. فبالموازاة مع فاجعة واد الشعبة، أحرز المنتخب المغربي لقب كأس العرب خلال شهر دجنبر، في مفارقة لافتة عكست قدرة المجتمع على التعايش مع التناقضات، حيث لا تلغي الأحزان الجماعية الحاجة إلى الفرح، ولا تحجب الإنجازات الرياضية ثقل الأسئلة الاجتماعية.

وعلى امتداد هذه الفترة نفسها، يواصل المغرب تقديم صورة تنظيمية لافتة من خلال احتضانه الناجح لنهائيات كأس أمم أفريقيا، في تظاهرة أكدت جاهزية البنيات التحتية، وصمود الملاعب أمام التساقطات المطرية، وقدرة البلاد على احتضان القارة في ظرفية مناخية وتنظيمية دقيقة. وفي خلفية هذا المشهد، ظل المجتمع المغربي عاقد العزم على استعادة اللقب الإفريقي الغائب عن خزائنه لأزيد من خمسين سنة، في إصرار جماعي يعكس تعطشًا تاريخيًا للتتويج، وإيمانًا متجددًا بأن لحظة عودة الكأس إلى حضن المغرب قد نضجت أخيرًا، بعد انتظار طال أكثر مما ينبغي.

هكذا تنقضي سنة 2025: احتجاجات شبابية في شتنبر، فرح كروي ومكسب دبلوماسي في أكتوبر، جدل إعلامي وفواجع إنسانية مع مطلع الشتاء، وتجاور دائم بين الألم والأمل، قبل أن تُغلق السنة على درس واضح مفاده أن المستقبل لا يُبنى فقط بالإنجازات، بل بالإصلاح الحقيقي، والوقاية، وجودة الخدمات، والإنصات الصادق للمجتمع .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *