من جرادة إلى ويكسان..!

31 مارس 2010آخر تحديث :
من جرادة إلى ويكسان..!

من جرادة إلى ويكسان..!

عبد الحميد جماهري
ربما كان المكان جميلا في وقت ما من أوقات الرصاص، لكنه اليوم يعيش على أمل أن يشبه أماكن أقل فقرا، ذلك ما تستشفه وأنت تنصت إلى الطبيب المحلي، العلوي، وهو يجهش باللغة وبالحرمان في جرادة، المدينة العمالية التي تقف اليوم معلقة على حافة سنوات مضت.
ونفس الشيء يؤكده لك أربعون عاملا مازالوا ينتظرون التعويض عن سنوات قضوها بين السيليكوز وبين الفحم، ولم يبق من ذلك سوى ملف ضخم يجولون به بين الوزارات.
  هم مجموعة من العمال «صْنَاكْرِيَّة» كما يسمون انتماءاتهم القديمة. كانت مفاوضات إغلاق المنجم قد جاءتهم باتفاقية تجعل الدولة تعوضهم. كانوا 114 نفرا، عوضت الدولة 59 شخصا وبقي الباقي بدون سبب واضح.
مضت 12 سنة، واستعملوا كل ما في حناجرهم، وفي أصواتهم من حجج ومن احتجاج.
قرروا في النهاية أن يلجأوا إلى الأسلوب المتداول حاليا، قطعوا مسافة 60 كلمترا، من جرادة إلى العيون، في اتجاه الرباط، كان من بينهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم ثماني سنوات.
السلطة تدخلت بالوعود، لأنه صعب أن تقود كل النساء وكل الشيوخ وكل العمال والأطفال إلى مكان فارغ يشبه الكابوس. وبعدها دخلت في غيبوبة.
وهي لا تخرج من غيبوبتها في الإقليم إلا لكي تعود إلى الماضي السحيق، وتضع عليه بعض المواد التحيينية. فقد روى مستشار جماعي من التقدميين من عين بني مظهر كيف أن السلطة تنصب الفخاخ وتقود الناس إلى المحاكم، وتصدر الأحكام عليهم، وروى كيف أن قائدا لم يتقبل أن يقال له بأن حضوره استشاري، وكيف انتقل من رجل سلطة إلى رجل تسلط ( سلاطة) يقود الناس إلى الدوائر الأمنية للرماد السابق والرعب.
لم يعد من السلطة في أنحاء كثيرة من المغرب سوى المفهوم الجديد، في حين مازال في إقليم جرادة وفي الجهة، مفهوما طاعنا في العتاقة.
في حالات كثيرة رواها المسشارون ترى تجهم السلطة واغتصابها لكل أمل في أن تصبح الدولة بالفعل في خدمة الناس والمواطنين..
لماذا لا يحلون مشكلة عمال جرادة ويحلون مكان المستشارين، يدبرون ما ليس لهم به سلطة؟
لأن في ذلك تركيز للحنين السابق والعتيق.
السلطة هنا ليست مزاجية فقط، بل هي أحفورية، عتيقة حتى ولو كان الذي يحمل نياشينها في عمر المغرب الجديد. كما لو أن الابتعاد يخلق الرهبة ويخلق الحنين إلى ما كان في الزمن الصعب، الزمن الأصفر، لم تعد المناجم هي المناجم، لا الرزق هو الرزق، لكن السلطة هي السلطة، وهي أيضا جمود الزمن في لحظة الماضي.
المناجم تقف بلا سواري وعلى سواعد مهددة باستمرار بانهيار شامل.. مناطق تركت لحالها.
من جرادة إلى سيف الريف، ويكسان بالناظور، لا أحد يسأل عن انهيار مشاريع كبيرة في سرعة البرق.
في ويكسان هناك إمكانية للنهوض، وللبحث عن مخارج وعمن تلاعب.. بثورة الحديد الظاهر، قبل الحديد الباطن، لكن تسير مثل قطار عتيق وبخاري، وتبقى أسئلة الناس عالقة بحناجرهم، مثل شربة من رصاص أو من فوسفور.
وعندما يكون الحديث متواترا عن الجهة، يمكن أن نلتمس من روحنا الجماعية فكرا قليلا في هذه الجهة التي تقف على خط موصول من الجفاف إلى العفاف. جهة تضرنا كثيرا وما زالت للمغرب شبكة للقراءة فيها لا أحد يراها مناسبة ككل الزيارات التي يقوم بها ملك البلاد للخروج من وضع راكد ومن ممارسات تنضاف فيها القبلية والسلطة القبلية إلى السلطة الحديثة للمال وللجاه الطارئ والسريع.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق