ابن الناظور الدكتور الحسن بلعربي يكتب: وجه لا يشبهك

أريفينو/16 شتنبر 2025

جلس قبالتي، وقد بدا على وجهه المستدير أثر إرهاق ثقيل، تغشاه حمرة على الأنف والوجنتين، وتحت شارب أسود مشذّب بعناية.

وحدها تسريحة شعره كانت تشي بفوضى صغيرة؛ كان يمشط ما تبقى من شعر رأسه من اليمين إلى اليسار محاولًا إخفاء صلعته، فإذا بها تزيده انكشافًا.

قميصه المخطط، الضيق إلى حد الانفجار، يُبرز ضخامة جسده. أزراره العليا مفتوحة، تكشف عن سلسلة ذهبية يتدلى منها صليب صغير فوق صدر مشعر. بدا في الخمسين من عمره، ويداه ترتجفان وهو يطلب قهوة ممزوجة بالكونياك. سرعان ما أتبعها بكؤوس من “الكونياك”، تجرعها واحدة تلو الأخرى حتى هدأت يداه وسكنت، وبدأ العرق يتصبب من جبينه، تفوح منه رائحة عطر رخيص ممزوجة بعرقه وأنفاسه السكرى.

في معصمه سوار بألوان العلم الإسباني، وحذاؤه يلمع كأنه جديد، لولا أن تقادم النعل السفلي كشف الحقيقة. حضوره لطالما أزعجني، غير أنّ صباحي ذاك كان مختلفًا؛ كنتُ في مزاج رائق، فخطرت لي فكرة أن أقلب الأدوار وأتولّى أنا إزعاجه. لطالما رمقني بازدراء حين يتحدث عن “الموروس”، وكأن اللفظ عادي في حضوري. لكنه يدرك أن هذا التعبير من بقايا قاموس استعماري وعنصري.

لذا، نظرت إلى النادل، وبدأت أتحدث بصوت عالٍ عن زيارتي الأخيرة إلى الحمراء، عن الجمال الذي تركه العرب والأمازيغ، عن الماء العذب، والصابون، والعطور، وعن القرى التي غسلت عن نفسها وسخ القرون حين وصلت الحضارة.

كان يتململ في مكانه. عيناه تمتلئان بالغيظ، لكنه ظل صامتًا.

حينها تخيلت سيناريو… وتوجهت إليه، في خاطري:

سيدي العنصري، ماذا لو استيقظت ذات صباح، بعد ليلة صاخبة أغرقت فيها نفسك بالنبيذ، ووقفت أمام المرآة لتتفاجأ بوجه ليس بوجهك؟

وجهٌ مغاربي، تشقّه التجاعيد، وتحمله قسوة الحياة على كاهله. ماذا لو وجدت نفسك تشتغل في ضيعات الطماطم في ألميريا، أو تبيع المناديل في شوارع طليطلة؟

ماذا لو دخلت مطعماً، وألقيت التحية على النادل، فهل يردّ عليك، أم يتجاهلك؟

ماذا لو جلست في قاعة انتظار، ولم يبق إلا كرسي شاغر بجانبك، هل سيجلس القادم عليه، أم يفضل الوقوف بعيدًا؟

ماذا لو استخدمت بطاقتك البنكية، فهل سيمرون عليها مرور الكرام، أم يحدقون فيها طويلاً كأنك مشبوه؟

كم مرة سيُفحص ورقك النقدي؟ كم مرة سيتجاهلك الجار وهو يغلق الباب في وجه سلامك؟

أغمضت عيني، وابتسمت. ليس لأنه فهم ما دار في خاطري، بل لأني، على الأقل، في هذا الصباح…استعدت قدرتي على الرد.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *