هل الاحتفال بعيد المولد النبوي بدعة.. اقرأ جواب الصادق العثماني

أريفينو : 29 غشت 2025


سألني أحد الإخوة في البرازيل في حديث خاص: كيف تجيز الاحتفال بالمولد النبوي وهو بدعة لم يأت بها الشرع؟ فأجبته متسائلاً: ومن قال إن الاحتفال بمولد الهادي الكريم بدعة؟ وما معنى البدعة عندك؟ فأوضح بأن البدعة هي كل ما استحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفعله، عندها أدركت أن هذا التصور يختزل الدين في فهم قاصر، إذ يخلط بين البدعة المحرمة التي تمس صلب العبادات، وبين ما استجد من أمور الدنيا التي لا تتعارض مع نصوص الشرع ولا مع مقاصده.

فالبدعة المذمومة والمحرمة هي ما يغيّر في أحكام العبادات التي نص عليها الشرع، كالصلاة والصيام والحج والزكاة، كأن تجعل مثلا من صلاة العصر 5 ركعات؛ أما ما استجد من مصالح نافعة للمسلمين في حياتهم، فلا يدخل في هذا الباب، ولنا في تاريخ الإسلام شواهد كثيرة، أبرزها جمع القرآن الكريم في مصحف واحد وتقييده بالنقط والحركات، وإنشاء المحاريب وتزيين المساجد، وهي كلها أمور لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أقرها العلماء ورأوا فيها مصلحة راجحة، حتى جعلوا المصلحة مصدراً من مصادر التشريع تحت اسم “المصالح المرسلة”.

ومن أمثلة ذلك ما ابتكره المسلمون بعد عصر النبوة من احتفالات دينية واجتماعية، كحفل ختم القرآن الكريم أو ختم صحيح البخاري، أو ما تقوم به بعض القبائل المغربية من احتفال بسلطان الطلبة تشجيعاً على طلب العلم وحفظ القرآن الكريم،  وهذه كلها مظاهر فرح مشروعة لأنها لا تدخل في دائرة العبادات، مثلها مثل الاحتفالات بالذكريات الوطنية التي تقيمها الشعوب اليوم، لإدخال السرور على الناس وربطهم بأوطانهم. فهل يعقل أن نحرّم هذه المظاهر بدعوى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بهذه الذكريات الوطنية والدينية؟.

وإذا نظرنا إلى الحرمين الشريفين، بمكة والمدينة نجد أن ما أدخل عليهما من اصلاحات وتنظيمات وتحديثات لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة، ومع ذلك فهي اليوم ضرورة لا غنى عنها لحفظ أرواح الحجاج وتيسير عباداتهم، من بناء الطوابق في الطواف والمسعى، إلى استخدام مكبرات الصوت ونقل الصلوات عبر البث المباشر، فلو تمسكنا بفهم ضيق للبدعة، لكان علينا أن نرفض كل هذه الإصلاحات ونصفها بالحرام، وهو قول لا يقوله عالم معتبر..إن الذين يرفضون الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم يتجاهلون باباً عظيماً في الفقه الإسلامي يسمى “باب التروك”، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك أشياء كثيرة ولم يفعلها؛ لكنه لم يمنع الأمة من القيام بها متى كانت فيها منفعة ومصلحة.

فليكن المولد النبوي مناسبة للتعبير عن محبتنا لرسول الرحمة، وفرصة لتعزيز صلتنا بهديه وأخلاقه، ما دام ذلك في إطار الفرح المشروع الذي لا يناقض مقاصد الشرع. وكل عام وأنتم بخير بمناسبة مولد الهادي الكريم ، الذي أرسله الله رحمة للعالمين .

One Comment

  1. الرد السلفي العلمي على هذا المقال يكون على أصول واضحة:

    أولاً: تعريف البدعة شرعاً

    النبي ﷺ قال: «كل بدعة ضلالة» (رواه مسلم).

    فالبدعة الشرعية ليست مجرد ما استُحدث في الدين بتغيير هيئة العبادة فقط، بل كل عبادة يتقرب بها إلى الله بلا دليل فهي بدعة.

    الفرق بين البدعة الدينية والوسائل الدنيوية:

    جمع القرآن، نقط المصاحف، مكبرات الصوت… كلها وسائل لحفظ الدين وتبليغه، وليست عبادات مستقلة.

    أما المولد النبوي فهو عبادة مخترعة تقرّب بها الناس إلى الله بغير دليل، وهذا هو عين البدعة المذمومة.

    ثانياً: جواب شبهة “المصلحة”

    المصلحة المرسلة معتبرة إذا لم تخالف نصاً، أما إذا عارضت سنة النبي ﷺ وتركه، فليست مصلحة بل مفسدة.

    والنبي ﷺ أَحَبَّ الخلق لربه، وأحرص الناس على الخير، ومع ذلك لم يحتفل بمولده ولا أصحابه ولا التابعون، فتركهم مع قيام المقتضي وانتفاء المانع دليل على المنع.

    ثالثاً: الرد على قياس المولد بالاحتفالات الوطنية

    الوطنية عادة دنيوية، أما المولد فعبادة يتقرب بها إلى الله، والقياس بينهما باطل.

    العبادات مبناها على التوقيف، ولا يجوز القياس فيها على العادات.

    رابعاً: الرد على شبهة “الإصلاحات في الحرمين”

    توسعة الحرم وتنظيم الطواف كلها وسائل لأداء العبادة المشروعة، لم يغيّروا أصل العبادة.

    أما المولد فهو إضافة عبادة جديدة لم يشرعها الله، وهذا فرق جوهري.

    خامساً: باب التروك

    ترك النبي ﷺ لأمر مع قيام السبب دليل على أنه ليس مشروعاً.

    فلو كان الاحتفال بمولده خيراً، لسبقنا إليه ﷺ أو أصحابه الذين كانوا أعظم الناس حباً له.

    الخلاصة السلفية

    محبة النبي ﷺ تُظهر بالاتباع، لا بالابتداع: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}.

    الاحتفال بالمولد عبادة محدثة لم يشرعها الله، وهي داخلة في قول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

    الواجب: اتباع سنته، إحياء ما ثبت من شرعه، كالصلاة عليه ﷺ والإكثار من ذكره، لا ابتداع ما لم يأت به.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *