انتحار قيمين دينييْن بالمغرب..ماذا يجري ??

10 ديسمبر 2023آخر تحديث :
انتحار قيمين دينييْن بالمغرب..ماذا يجري ??

إبراهيم مغراوي
سُجلت حالتا انتحار وسط القيمين الدينيين بإقليم مراكش، الأولى تهم إمام مسجد بمراكش وضع حدا لحياته بعدما قام بشنق نفسه بحبل، والثانية لمؤذن بجماعة قروية بعمالة الإقليم، عثر عليه جثة هامدة معلقة داخل المسجد، وهو ما شكل حدثا مأساويا أثار علامات الاستفهام.

ودخل أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، على خط الحادثين المؤلمين، موجها مذكرة إلى مناديب الشؤون الإسلامية يؤكد فيها أن ذلك “يسترعي الانتباه إلى أمر ينبغي التصدي له بكل الإمكانيات والوسائل الممكنة”، مضيفا “لعل من أهم دوافع محاولات الانتحار نوبات اكتئاب يمكن علاجها إذا ما تم التنبه لها في الوقت المناسب”.

فهل يمكن للإيمان أن يحول دون دخول الإنسان في حالة السوداوية؟ وإلى أي حد يمكن إرجاع انتحار قيمين دينيين إلى عوامل اجتماعية واقتصادية؟ وبأي معنى يمكن إرجاع حالتي الانتحار إلى الاضطرابات النفسية؟

وزارة الأوقاف تتحرك
بالعودة إلى مذكرة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، فنوبات الاكتئاب تتجلى في “تباطؤ غير عادي في نشاط الشخص، وشعوره بتعب وقلق وحزن غير عادي، والسخط على الذات والشعور باليأس وفقدان المتعة، والتعرض لأفكار تشاؤمية، وبروز اضطرابات حادة غير عادية في النوم والشهية”، توضح المذكرة، مطالبة مناديب الشؤون الإسلامية بضرورة الحرص على التواصل الدائم مع كافة القيمين الدينيين من أجل بسط النقاش معهم حول مختلف القضايا التي تهمهم، وعقد جلسات استماع لهم بتأطير من الأئمة المرشدين وفق برنامج محكم ومحدد يتم إشعارهم به سلفا.

مقاربة سيكو- سوسيولوجية
وعلاقة بهذا المشكل قال مصطفى الشكدالي، الباحث في علم النفس الاجتماعي، إن “الحديث عن الإيمان والسوداوية يتطلب استحضار أنهما درجات، فهناك من يلجأ إلى الإيمان من الإيمان، بمعنى أنه يؤمن ويدخل في حالات فيها نوع من التسامي الروحي عن كل ما يعترض حياته، وهناك من يدخله هروبا من المشاكل، وبذلك يصبح الاكتئاب نتيجة للإحباط، وهذه درجة أخرى، وهنا نتذكر رابعة العدوية حين قالت: اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فأرسلني فيها، أنـا أعبدك لأنك تستحق أن تعبد”.

وأردف الباحث “قد يكون اللجوء إلى الإيمان ظاهريا، بمعنى أن المشاكل التي تعترض حياة الإنسان قد تكون وراء الاحتماء بالإيمان هروبا من مواجهة الحياة، لذا في الحالة الأولى تكون الوقاية منذ الوهلة الأولى لأن طقوسها شبيهة بالتصوف، وهذا يحمي من السقوط في السوداوية والاكتئاب”، مشيرا إلى أن “الحديث عن القيمين الدينيين يتطلب استحضار صفة موظف تابع لإدارة الشؤون الإسلامية، وبذلك نكون أمام أشخاص يرتبطون بالتدين وليس ضرورة بالدين”.

وعن إمكانية ارتباط الانتحار كحالة المؤذن، الذي كشفت مؤشرات البحث التمهيدي أنه شيخ يبلغ من العمر 81 سنة، وأب لستة أبناء، ويعاني من اكتئاب حاد ناتج عن أزمة مالية عاشها مؤخرا، أوضح الشكدالي أنه “يمكن للعوامل الاجتماعية والاقتصادية أن تكون وراء ذلك، لكن على العموم فالمنتحر كيفما كان وضعه يحاول التخلص من ذاته، وبالتالي نتحدث عن حالة نفسية قد تصل الى الإبهام لأننا لا نعرف لماذا يريد الشخص الهروب من ذاته، لغياب الدافعية نحو الحياة، وبذلك فهو لا يرتبط بالمستوى الاجتماعي والاقتصادي لوجود منتحرين ينتمون إلى الطبقة الميسورة”.

سؤال بالبرلمان
ولأن القيمين الدينيين يلعبون دورا حيويا في الحفاظ على الهوية الدينية والقيم الاجتماعية في المجتمع المغربي، ويحتل الإمام والمؤذن مكانة خاصة وسط المغاربة بسبب الوظائف الدينية التي يؤديانها، والتي تلعب دورا حيويا في تشكيل الحياة اليومية للمواطنين، فقد وجه عبد الرحمان الوفا، البرلماني عن إقليم مراكش، رسالة إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية يؤكد فيها أن الإمام والمؤذن في المغرب ليسا فقط رمزين دينيين، بل هما أيضا جزء لا يتجزأ من البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع، ويتمتعان بسلطة دينية وتأثير كبير على المجتمع، ويشغلان مكانة مرموقة في القلوب والعقول.

وجاء في سؤال البرلماني “يقوم القيمون الدينيون، وبشكل خاص الأئمة، بمهمة عظيمة تتمثل في الحفاظ على السلام الروحي للمواطنين المغاربة، ويعتبر أداؤهم الجيد لهذه المهمة واجتهادهم فيها أمرا يتطلب العناية بهم ماديا ومعنويا، ومراعاة ظروفهم النفسية والاجتماعية حرصا على الصورة الاعتبارية التي يحظون بها وسط المجتمع، وتفادي كل ما من شأنه أن يؤثر عليها. وعليه نسائلكم عن الإجراءات والتدابير التي ستتخذها وزارتكم في هذا الصدد؟”.

انتهاك الحق في الحياة
وأوضح عمر أربيب، الناشط الحقوقي وعضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن الانتحارين يشكلان حالتين مأساويتين قد تكون لهما علاقة بالجانب الاجتماعي والاقتصادي، وقد يرجعا إلى أسباب أكثر عمقا، مشيرا إلى أن “الواقعتين حدثتا في وقت متقارب، وهذا يطرح علامة استفهام كبيرة يجب تعميق البحث فيها لأن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لهذه الفئة معروف بأنها مأزومة ولا تضمن لهم العيش الكريم”.

وصايا التوفيق
وطالب أحمد التوفيق مناديب الوزارة بالحرص على التواصل الدائم مع كافة القيمين الدينيين، من خلال تنظيم لقاءات تواصلية معهم بصفة مستمرة، وعقد جلسات استماع لهم بتأطير من الأئمة المرشدين، واستقبالهم بمقر المندوبية كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وتوجيههم بأسلوب لائق. كما دعا إلى التنسيق الدائم مع مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين، لاسيما فيما يتعلق بتوقيع شراكات مع أطباء واستشاريين نفسيين لعلاج ومواكبة الحالات التي بدأ يظهر عليها الاضطراب النفسي.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق