فخ الدرهم القوي .. كيف يضحي المغرب بصناعته ووظائفه لإرضاء لوبي الاستيراد؟

أريفينو.نت/خاص
بقلم: يوسف محاسين، محلل اقتصادي
في نقاش مفتوح حول السياسات الاقتصادية للمغرب، يطرح المحلل الاقتصادي يوسف محاسين تساؤلاً جريئاً حول الإجماع شبه التام على ضرورة الحفاظ على درهم قوي، معتبراً أن هذه السياسة، رغم شعبيتها، قد تكون أكبر عائق أمام إقلاع المغرب الصناعي، وتخدم مصالح “لوبي الاستيراد” على حساب المصلحة الوطنية.
قاعدة تاريخية لا استثناء لها: لا تصنيع بعملة باهظة
يشير محاسين إلى حقيقة تاريخية قاسية: لم تتمكن أي دولة من تحقيق ثورتها الصناعية بعملة باهظة. ويستشهد بتجارب دول كالصين وكوريا الجنوبية وألمانيا واليابان بعد الحرب، وصولاً إلى فيتنام وتركيا ومصر حديثاً، حيث كانت الخطوة الأولى دائماً هي تخفيض قيمة العملة لتحفيز الإنتاج المحلي وجعله أكثر تنافسية. القاعدة لا يستثنى منها إلا الاقتصادات المتقدمة والمتكاملة كدول الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة.
من النسيج إلى السياحة.. كيف يقتل الدرهم القوي الإنتاج المحلي؟
يوضح الكاتب أن قوة الدرهم تجعل من استيراد الملابس من تركيا، على سبيل المثال، أكثر ربحية من إنتاجها محلياً، والنتيجة الحتمية هي “فقدان الوظائف في الدار البيضاء وخلقها في إسطنبول”. وينطبق الأمر نفسه على قطاع السياحة، فبينما تحقق مصر 20 مليار دولار من عائدات السياحة، يكتفي المغرب بـ 11 مليار دولار فقط، رغم الجهود الكبيرة المبذولة. الرسالة الضمنية التي يبعث بها الدرهم القوي للسائح هي: “أنفق قليلاً ولا تطل إقامتك”. كما أن سعر الصرف المرتفع يشجع على الاستيراد بشكل هائل (760 مليار درهم، أي نصف الإنتاج المحلي تقريباً)، مما يعني أن سوق الشغل يعمل بنصف طاقته فقط، وهو ما يفسر جزئياً بقاء معدل التشغيل عند حدود 50%.
من المستفيد؟ “لوبي الاستيراد” في قفص الاتهام
يرفض محاسين التبريرات التقليدية لسياسة الدرهم القوي، مثل حماية القدرة الشرائية أو كبح التضخم، مؤكداً وجود “تضخم جيد” يرافق نمو الإنتاج الوطني وارتفاع الأجور. ويرى أن المستفيد الحقيقي من الدرهم المبالغ في تقييمه هو “لوبي استيراد” نافذ في قطاعات متعددة، من النسيج إلى المحروقات، يستفيد من الأسعار الدولية المنخفضة على حساب النسيج الإنتاجي الوطني، وسيكون الخاسر الأكبر إذا عكس الدرهم قيمته الحقيقية. ويؤكد أن ارتفاع فاتورة الواردات بنسبة 90% منذ 2015 مقابل نمو الناتج المحلي بـ 30% فقط، دليل على أن هذا الاختيار ليس محايداً، بل يعكس تغليب مصالح أقلية على متطلبات التنمية وخلق فرص الشغل.
تكلفة باهظة لسياسة محافظة.. التضحية بالتنمية من أجل الاستقرار “الزائف”
يختتم المحلل الاقتصادي تحليله بالإشارة إلى التكلفة الباهظة للحفاظ على هذه القوة المصطنعة للدرهم. فالمغرب يضطر باستمرار للاقتراض ليس للاستثمار، بل لتكديس الأموال كاحتياطي صرف لدى بنك المغرب (أكثر من 400 مليار درهم حالياً). ويخلص إلى أنه “من خلال رغبتنا في الظهور بمظهر مستقر وذي مصداقية أمام الأسواق الخارجية، فإننا نضحي بالأساس: بشركاتنا وعمالنا ونسيجنا الإنتاجي”.






