رقابة المحاكم المالية للجماعات الترابية على محك الممارسة

10 يناير 2020آخر تحديث :
رقابة المحاكم المالية للجماعات الترابية على محك الممارسة

اريفينو

رغم الإكراهات الذاتية الكثيرة والمتنوعة المعترضة لعمل المحاكم المالية، فإن ذلك لم يمنعها بشكل مطلق من ممارسة مهامها واختصاصاتها الرقابية المطلوبة منها من الناحية المبدئية. حيث تؤدي المجالس الجهوية للحسابات نوعا من الرقابة الضعيفة والهزيلة في طريقة أدائها وكيفية ممارستها، خاصة ما يتعلق منها بالاختصاصات ذات الصبغة القضائية، وبمراقبة الإجراءات المتعلقة بتنفيذ الميزانيات المحلية. وعلى أية حال، لا تقف العوائق والإكراهات التي تعترض رقابة المحاكم المالية عند المشاكل والتحديات الذاتية، بل هناك الكثير من العوامل والمعطيات الأخرى التي تشكل في مجموعها ومن خلال تفاعلها، ما يسمى بالعوائق الموضوعية لنظام رقابة المحاكم المالية، ولعلها الأكثر اعتراضا وحدة وإشكالا، وتأثيرا سلبيا على نجاعتها وفعاليتها الرقابية. وهي عبارة عن إكراهات ومشاكل وصعوبات ناتجة عن المحيط وبيئة الاشتغال، وعن العلاقات المختلفة التي تربط المحاكم المالية بالجماعات الترابية، وبالعديد من الأشخاص العامة والأجهزة والمؤسسات الوطنية والمحلية التي هي معنية بتلك الرقابة بشكل أو بأخر.
وإذا كانت سلطات الوصاية هي ثاني جهة معنية بالرقابة التي تمارسها المجالس الجهوية للحسابات على الجماعات الترابية -باعتبارها الجهة المشرفة على الأعمال الْمُرَاقَبَة- بعد المجالس والأجهزة المنتخبة لهذه الأخيرة. فإن أولى العوائق الموضوعية التي تعترض نظام رقابة المحاكم المالية على الوحدات المحلية المنتخبة في التجربة المغربية، هي تلك التي تشكلها بعض تصرفات سلطات الوصاية في حد ذاتها. ولنأخذ على سبيل المثال هنا مراقبة الإجراءات المتعلقة بتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية، والتي تتم بمناسبة بذل المساعدة لتلك السلطات على المستوى المحلي. فتلك الرقابة التي تعود صلاحية تحريك مسطرتها إلى سلطة الوصاية بشكل أحادي، لا شك أنها تخضع لتقديرات هذه الأخيرة ولاعتباراتها المختلفة والتي قد تكون أحيانا بعيدة كل البعد عن المصلحة العامة.
أما بعد عرض مسألة من المسائل المندرجة ضمن تلك الإجراءات المتعلقة بتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية على المحكمة المعنية، فإن كل ما هو مطلوب من هذه الأخيرة، هو إبداء الرأي حول المسألة المعروضة عليها وليس لها إلا ذلك. ومن هنا، وإذا كانت المجالس الجهوية للحسابات بمناسبة بذلها المساعدة لسلطات الوصاية، يمكن لها من الناحية القانونية أن تمارس رقابتها على مجموعة من الإجراءات وليس على إجراء واحد -على اعتبار عبارة الجمع الواردة في القانون- وكانت الممارسة قد كشفت اقتصار ذلك الاختصاص الرقابي على دراسة الحسابات الإدارية المحالة عليها، دون باقي الإجراءات المتعلقة بتنفيذ الميزانيات المفترض تعريضها للرقابة، فإن السؤال المطروح هنا وبإلحاح، هو ما الذي يمنع سلطات الوصاية من تعريض مختلف الإجراءات المتعلقة بتنفيذ الميزانيات لرقابة المجالس الجهوية للحسابات؟ خاصة تلك التي تكون على درجة كبيرة من الأهمية، ولها من الوقت ما يكفي للتدقيق والتمحيص فيها.
ولعل الأجوبة في هذا الإطار قد تكون كثيرة ومتعددة، لكن الأرجح والأقرب للصواب وإلى الواقع المغربي هو كون سلطات الوصاية على المستوى المحلي (خاصة العمال والولاة)، مازالوا متوجسين خيفة من رقابة المحاكم المالية. وذلك على الرغم من أن تلك الرقابة في حقيقتها ليس لها إلا آثار معنوية، على اعتبار الاهتمام الذي تحظى به من طرف وسائل الإعلام المختلفة. ومن هذا المنطلق غالبا ما يتم التعامل مع تلك الرقابة من طرف العمال والولاة بحذر شديد، على اعتبار أنهم أول المسؤولين عن الجماعات الترابية الموجودة تحت إمرتهم أمام الوزارة التي يمثلونها، وأمام عموم الرأي العام الوطني والمحلي. هذا إلى جانب اعتبارهم تلك الرقابة نوعا من التضييق لسلطاتهم، والتنقيص من هيبتهم إزاء المسؤولين المنتخبين المحليين. بل الأكثر من هذا وذاك، هو أن السلطات التي يتمتع بها الولاة والعمال على عموم الإدارة الترابية المنتخبة والمعينة، جعلتهم يستفيدون من امتيازات عدة حتى وإن لم تكن مادية بشكل مباشر فهي معنوية، ومن ثم يصعب عليهم التنازل عن تلك الوضعية بسهولة. فتكريس الرقابة التي تمارسها المجالس الجهوية للحسابات على الجماعات الترابية، تعني بشكل أو بآخر اتجاه سلطات الولاة والعمال نحو التقليص والهامش، وهذا لن يكون مقبولا منهم بسهولة.
أما بالنسبة للرأي الذي يصدره المجلس الجهوي للحسابات وكونه غير ملزم لسلطة الوصاية، بحيث يمكن لها مخالفته إذا رأت ذلك. فهي أيضا مسألة لا شك أنها عائق، تعترض الرقابة الممارسة على الجماعات الترابية، وتخل بها من حيث الفعالية والناجعة. بل حتى مسألة إلزام سلطات الوصاية بتعليل قراراتها المخالفة لآراء المجالس الجهوية للحسابات، قد لا تفي بالغرض في هذا الإطار. حيث قد يكون التعلل بالمصلحة العامة أو بالحفاظ على النظام العام في شقه الأمني، وهنا يصعب نفي ذلك وتقديم الدليل المخالف. وهكذا قد تتم عرقلة المهام الرقابية للمجالس الجهوية للحسابات من طرف سلطات الوصاية، لاعتبارات معينة أو لأخرى، بل قد لا يوجد ما يمنع تلك الاعتبارات من أن تكون بعيدة عن المصلحة العامة.
وإذا كانت القوانين التنظيمية الجديدة للجماعات الترابية، قد ألغت جلسات المصادقة على الحسابات الإدارية، التي كانت تشكل المنطلق والمكون الأساسي في رقابة المجالس الجهوية للحسابات على الحسابات الإدارية، واضعة حدا لهذا النقاش من أساسه، فإن ذلك الإلغاء يعتبر مسألة معيبة. ولا يمثل في الحقيقة إلا نكوصا وتراجعا وتقهقرا سيعرفه نظام الرقابة على الجماعات الترابية، منذ أن دخلت القوانين التنظيمية حيز التنفيذ. فتلك الرقابة الملغاة كانت -وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لها- تمثل مناسبة سانحة لتكريس الاندماج الرقابي والالتقائية بين الرقابة السياسية والإدارية، تحت إشراف رقابة المحاكم المالية.
إن إلغاء جلسة دراسة الحساب الإداري كرقابة كان لها وزنها من الناحية المبدئية بالمرة من القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، يعتبر مسألة سلبية معيبة ولا يمكن قبولها. فالرقابة على الحسابات الإدارية إذا كانت حقيقة تستدعي الإصلاح، نظرا لما كشفه الواقع من اختلالات وانحرافات بنيوية عميقة تعتريها، فإن ذلك لا ولن يصل أو يستدعي وبأي حال من الأحوال إلغائها، وتجاهل مسألة التنصيص عليها بالمرة. أو بعبارة أخرى لقد أخطأ من قام بإعداد القوانين التنظيمية، وجانب الصواب عندما ألغى جلسات الرقابة على الحسابات الإدارية. فرغم الانتقادات التي كانت موجهة لها -خاصة في شقها المتعلق بالرقابة السياسية- فإن الأمر كان يستدعي إصلاحا جذريا لها وليس إلغاء وإعداما لمفعولها بشكل مطلق.
وعلى صعيد آخر، إذا كان لا يختلف أحد أو يجادل في ما تكتسيه تقارير المجلس الأعلى للحسابات من أهمية بالغة، لدى الباحثين والدارسين ومختلف المهتمين بالشأن العام المحلي، وذلك لما تتضمنه تلك التقارير من معلومات ومعطيات تكشف عن حجم الاختلالات التي تعرفها بعض الجماعات الترابية -والتي تقف حجرة عثرة في طريق التنمية المحلية المستدامة والعقبة الكؤود في مسار الحكامة الترابية المنشودة- فإن سؤال النجاعة والفعالية في اعتماد تلك الرقابة على تدبير المال العام المحلي يظل دائما مطروحا لديهم. فها هي التقارير تلوا الأخرى تصدر، وتشير إلى الفساد المالي المتفشي بالأرقام والمؤسسات والأفراد-بل حتى بالأسماء- ولكنها تظل دون جدوى أو فعالية تذكر. فمؤشر سوء التدبير المالي المحلي يزداد سنة بعد أخرى، بل أضحى الفساد الإداري المالي السمة الغالبة في العديد من الجماعات الترابية، الأمر الذي يطرح سؤال الهدف والنجاعة أو الجودة والجدوى من حيث الواقع المادي الملموس. فما الهدف من تلك التقارير الصادرة عن كل سنة من السنوات المالية، إن كانت لا تفضي إلى المساءلة والمحاسبة وتطبيق القانون على المتورطين في قضايا الفساد ونهب المال العام؟
وبعبارة أخرى، ما معنى أن تصدر المحاكم المالية المختلفة أحكاما وقرارات قضائية، قد تكلف مجهودا وأموالا كبيرة، ويتم إدراج نتائجها في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، الذي تتناوله وسائل الإعلام المختلفة ليثير زوبعة إعلامية، وفي الأخير لا تتابع تلك الأحكام والقرارات ولا تنفذ؟ لاسيما هنا وأن تلك التقارير تُرْفَع إلى المؤسسة الملكية باعتبارها أعلى سلطة في البلاد. ومن ثم كيف يعقل ألا يحرك وزير العدل الملاحقات والمتابعات القضائية بصفته رئيسا للنيابة العامة؟ وما هي الأسباب والدواعي التي تحول دون تطبيق القانون تطبيقا صارما في حق كل من تثبت إدانته؟
إنه لطالما شغلت تقارير المجلس الأعلى للحسابات الرأي العام الوطني والمحلي، عندما يتم تقديمها من طرف رئيس المجلس إلى المؤسسة الملكية، ثم فجأة يخفت وهجها مع مرور الوقت، وتتوارى الاتهامات إلى الخلف، تاركة المجال أمام الركون إلى الصمت المطبق. والاكتفاء بالتنديد والوعد بإحالة الملفات على القضاء، ثم تطوى الصفحة في انتظار تقرير جديد يعيد النقاش إلى نقطة البداية. وفي هذا الإطار، صدرت مجموعة من التقارير عن “الهيئة العليا للرقابة المالية بالمغرب” خلال السنوات العشر الأخيرة، وقد رصدت تلك التقارير الكثير من التجاوزات والاختلالات المالية والتدبيرية ما يكفي. والتي كانت في بعض الأحيان على درجة كبيرة من الخطورة، بالنسبة لبعض الجماعات الترابية. كما تضمنت العديد من التوصيات والاقتراحات التي من شأنها التخفيف من وطأة الفساد الإداري والمالي بتلك الجماعات المعنية بالاختلال، لكن دون جدوى. حيث لحد الآن يظهر أن عددا من تلك الاقتراحات والتوصيات لم تفعل أو تم تجميدها أو بالأحرى تجاهلها، الأمر الذي يفرغ لا محالة تلك المؤسسة الدستورية من محتواها، ويحمل في طياته بذور فشل مهمتها الوطنية النبيلة.
ولا غرو هنا، أن ذلك هو السبب الحقيقي لعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة في كثير من الملفات والقضايا، التي كان من الواجب أن تعرض على القضاء ليقول فيها كلمته الفصل. فلا يعقل أن يتم رصد كل تلك الاختلالات والانحرافات في بعض الجماعات الترابية، دون أن يتم تحريك مسطرة المتابعة القضائية، بل قد لا يتم أحيانا حتى إعمال المحاسبة القانونية والإدارية للمسؤولين عنها مما يثير أكثر من علامة استفهام. ولعله في خضم الإجابة عن تلك الأسئلة المطروحة حول الأسباب التي تحول دون تحريك المتابعات، فقد تم التأكيد كإحدى التبريرات السياسية، أن من بين الأسباب التي تحول دون الانتقال بتقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى مرحلة التقاضي، وتعقد من عملية المتابعة القضائية، هو أن تلك التقارير، كما يتوصل بها الوكيل العام للملك لدى المجلس ويرفعها إلى وزير العدل، تبقى مجردة من كل الوثائق والأدلة التي تثبت الاختلالات التي يتم رصدها، ومن ثم يصعب على هذا الأخير تحريك مسطرة المتابعة في حق المسؤولين المتورطين في تلك القضايا. خاصة وأن الأمر يتعلق في الغالب بأخطاء وأغلاط مالية ذات صبغة مهنية يمكن حلها إداريا ولا تستحق المتابعة القضائية.
وعموما وإذا كان هذا الرأي يعتبر من بين تبريرات بعض السياسيين، لعدم تحريك مسطرة المتابعة القضائية، فإنه في المقابل رأي غير منطقي ومردود عليه ولا يرقى إلى مستوى الإقناع. أما الحقيقة فهي شيء أخر، فالاكراهات والمعيقات التي تعترض رقابة المحاكم المالية، بخصوص تحريك المتابعة والملاحقة القضائية لمن تثبت مسؤوليته -ودون الوقوف عند بعض المبررات التي تعتبر نتائج وليست أسبابا- يمكن إجمالها في غياب الإرادة السياسية الحقيقية. لاسيما وأن الأمر يتعلق بفساد مالي وإداري، وإن كان على الصعيد المحلي فهو مترابط ويعتمد على بعضه البعض، حيث تداخل وتقاطع المصالح الضيقة بين المسؤولين الإداريين والسياسيين بالخصوص. ولا شك أن هذه المسألة المتعلقة بتغييب آثار ونتائج رقابة المجلس الأعلى للحسابات. تتعارض جملة وتفصيلا مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مما يفضي إلى تعطيل وتفريغ المؤسسات من محتواها، لتبقى مجرد ديكورات تؤثث فضاء ما يسمى بالحكامة الترابية في المغرب وهي “حكامة صورية خطابية تحتاج بدورها إلى حكامة”.
إن ما تتضمنه تقارير المجلس الأعلى للحسابات في حقيقة الأمر لا يمكن إلا أن يعكس مستوى الفساد المستشري في مختلف الجماعات الترابية. إلا أن ذلك في المقابل يبقى غالبا دون متابعة وجزاء أو عقاب للمسؤولين المتورطين في قضايا الفساد. ومن هنا وفي ظل المعوقات البنيوية العميقة غير المفهومة، والتي تحول دون تفعيل أحكام وقرارات وتوصيات قضاة المجلس الأعلى للحسابات، فإن تلك التقارير لا يمكن اعتبارها سوى مجرد تنفيس إعلامي إزاء الاحتقان الذي يراود المواطنين من حين لآخر بسبب النهب والجشع واستغلال النفوذ، وانتهاك المال العام بالجماعات الترابية. ولعل ذلك مما ينذر بتوسيع هوة اللاثقة بين المواطنين والقائمين على تدبير الشأن العام المحلي في المستقبل، ويفسر عزوفهم البنيوي عن العمل السياسي، ويحبط فيهم الآمال في إعمال مبادئ الديمقراطية الحقيقية، وفي تكريس حق المواطن في تنمية محلية حقيقية شاملة ومستدامة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق